كتاب وأراء

لا سم للخلاص.. في المقابر!

ربما تلك هي المرة الأولى، في التاريخ، التي يتجرع فيها رجل السم، في محكمة، والبث مباشر.
تلك كانت لحظة مفزعة، اهتزت لها «فرائص» ملايين المشاهدين، في العالم، جنباً إلى جنب، مع قضاة محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا، والاتهام والدفاع، والحضور الكثيف، ومن بين ذلكم الحضور عائلة
الرجل سلوبودان برالياك.
اللحظة المفزعة، جاءت مباشرة بعد أن أثبت القاضي على الرجل حكما سابقا: السجن لعشرين عاما، لإدانته بجرائم حرب، خلال حرب البوسنة.
جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم
شبح القصاص، يظل يطارد المجرم، وإن أدمن الفرار والتخفي.. وتظل تطارده أشباح الضحايا، في الليل، والنهارات.
أنت، ربما أفزعك حد الصراخ كابوس ما. ربما بلل جسدك كله بالعرق. ربما جعلك وأنت في قبضته الباطشة، تفتش عبثا عن أنفاسك، ولا أنفاس. ربما وربما وربما.. لكن أنت لست جزاراً. لست قاتلاً بالجملة، لتتخيل- مجرد التخيل- فداحة ان نجثم على صدرك كل أشباح قتلاك، دفعة واحدة.. رائحة الدموم تزكمك كلك، وصرخاتهم لحظات الموت الرهيب، تصم آذان كيانك كله.
أعظم الكوابيس، وأشرسها على الإطلاق، هي تلك التي تأخذ بخناق الجزارين، أولئك الذين تتلطخ أياديهم بالدموم: دم يختلط بدم. دم حار ينبجس، ودم يتخثر، ودم يصرخ.. يصرخ حتى تقول الهامة اسقوني!
سلوبودان- الجنرال الكرواتى السابق- رجل تحاصره من الجهات كافة، أشرس الكوابيس. ظلت تلك الكوابيس حاضرة حتى اللحظة التي أخرج فيها من بين سترته تلك القنينة القاتلة، وتجرعها دفعة واحدة، لا مبالياً بأية وظيفة من وظائف قلبه، ذلك الذي سيسكت فجأة، وظيفة وظيفة، بسبق الإصرار، والترصد!
للكوابيس الشرسة، عذاب.. عذاب في كل الأوقات.. وكذا عذاب الحبس، ولو في سجن من سجون لاهاي، تلك التي من فئة الخمسة نجوم، لكن.. لكن عذاب السم، فقط مجرد لحظات.. لحظات ولو طالت، هي بمقدار المسافة من تجرعه إلى توقف كل وظائف القلب!
سلوبودان، فر من عذاب كل الأوقات، إلى عذاب الوقت القصير جدا. الوقت الذي هو أشبه بوقت عمري وعمرك في هذه الحياة، والتي هي أيضا إلى زوال، بحكم منطق الموت، الذي يتربص دائما بالأحياء، تربصه بالحياة ذاتها!
هم هكذا الجنرالات، الذين تتلطخ أياديهم بالدم، يفرون من عذاب، إلى عذاب.. والسم، هو في النهاية، قمة الكوابيس.
هو.. سلوبودان، لم يكن شجاعاً على الإطلاق، في تلك اللحظة المفزعة. كان في قمة جبنه. كان خائرا تماما. هو بتجرعه السم لم يرد أن يقول لنا- كما توهم- انه بريء، لا يستاهل الحبس لعشرين عاما، وإنما أراد ان يقول لنا- بعقله الباطن الذي استبطن كل عذابات ضحاياه، إنني أتعذب يا عالم.. أتعذب قلبا وضميرا وأعصابا وذهنا وخيالا،.. إنني أريد يا عالم أن أتخلص من كل هذه العذابات!
الكوابيس تلاحق القتلة حتى في القبر..
ومشكلة سلوبودان، أنه ليس هنالك من سم للخلاص، في المقابر!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار