كتاب وأراء

شكرا قطر.. شكرا يا البشير

لن يصح إلا الصحيح.. وما هو صحيح أن السودان يعرف أفضال الدول، ولا يمكن أن يتنكر لأفضال الفضلاء، تحت أي ظرف من الظروف، وبرغم الإغراءات والضغوطات، في زمان تشكيل التحالفات، ومحاولات حشد التأييد للمواقف.. ومن المواقف ما هو جائر ولا أخلاقي.. بل ومنها من لا يحفظ للدين حرمة، ولا يحفظ للدم والجوار والتاريخ والمصير المشترك، آصرة.
فى الأزمة الخليجية، التي حاولت دول الحصار حشد دول، انصارا لمواقفها، كان موقف السودان يقف بين دول الحصار الجائر وقطر، على مسافة واحدة، وهي ذات المسافة التي ستجعل منه وسيطا يسعى لحل الأزمة، على أسس مبادرة حكيم الخليج، أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد.
خير الدول- مثل خيار الناس- ذلك الذي يسعى لإصلاح ذات البين.
كان ذلك موقف دولة الكويت.. وهو ذات موقف السودان.
الحوار.. والحوار الذي استمسك به حكيم الخليج، طريقا آمنا لحل الأزمة، هو ذات الموقف الذي تمسك به السودان، لكن الذين لا يريدون إصلاحا، أرادوا للسودان الانحياز، وفي مثل تلك الإرادة، ليس تدخلا في سياساته الخارجية فحسب، بل فيه ما فيه من تحريض لئيم على نسيان الأفضال.
السودان ليس من طينة الدول الخائبة التي تبيع مواقفها في سوق النخاسة السياسية، وليس من الدول التي يمكن ان تنسى فضل دولة، وما أكثر أفضال الدول، وما أكثر الدول التي تنسى أفضال الدول، إذ كانت ذات تاريخ، في معسرة.
السودان لن ينسى أفضال قطر.
تلك هي الجملة الشريفة، التي قالها الرئيس البشير- ضمنيا- وهو يقول صراحة في الكرملين قبل أيام، ما معناه أن السودان لن يفرط في علاقاته مع قطر.
معنى جملة البشير، يفهم منها أنه يرد بها على من يضغط على السودان ليسجل انحيازا لا شبهة فيه، في الأزمة الخليجية.
جملة البشير، لا تعبر فقط عن وجدان نظامه، وإنما تعبر- وهذا هو المهم أيضا- عن وجدان الغالبية المطلقة من الشعب السوداني، الذي يحمل في قلبه إعزازا متعاظما لقطر- أميرا عظيما وشعبا خيرا- على مواقفها المشهودة إلى جانبه، في أحلك الظروف، وليست هنالك من ظروف أشد إظلاما، من تلك التي تندلع فيها النيران بكثافة بين أبناء الوطن الواحد.
لا. قطر لم تقف إلى جانب السودان- فقط- لإطفاء النيران في دارفور. لقد وقفت ولا تزال تحرس السلام ذلك الذي بنته لبنة لبنة، في دارفور، بعرق ذهنها ووجدانها السليم وضميرها الحر وخيالها الخلوق.. وعرق دبلوماسيتها الخيرة، الفضيلة، وعرق جيوبها المعطاءة.
لا ليس ذلك فقط. قطر كانت ولا تزال مع إنهاض السودان من عثراته الاقتصادية، وما أكثرها. كانت ولا تزال مع إشهار كنوزه التاريخية.. كانت ولا تزال وراء المساهمة الفاعلة في قرع أجراس المدارس، تقليلا للفائض التعليمي.. كانت وراء غرس مفاهيم المعرفة في أذهان الصغار في بادية كردفان، تلك التي تعادل مساحة بلجيكا!
تلمستُ.. والشرائح مختلفة: مناصب، ومهنا، ونوعين، وإعمارا، وما عرفتُ ارتياحا عند كل هؤلاء مجتمعين، لحديث من الرئيس البشير، مثل حديثه في الكرملين.. حديثه الذي يعبر عن امتنان نظام.. وامتنان أمة، لقطر.. الدولة التي شاء الرب أن تكون خريطتها الجغرافية، كما شكل الكف الممدودة بالإحسان.. المبسوطة بالسلام.
الرئيس- أي رئيس- يتحدثُ بلسان ضمير شعبه، يثلج ضمير شعبه.
الحديث بلسان ضمير الشعوب، يريح، وإن كان يغضب من يغضب، وإن كان يزبد من كان يزبد أصلا، كثير الزبد.
...و.. يذهب الزبد جُفاء، ويبقى ما ينفعُ الناس.
شكرا، الرئيس البشير.
شكرا إنابة عن كل الذين لا ينسون لقطر، فضلا، ولا يتناسون لها أفضالا..
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار