كتاب وأراء

سعد اللبناني أم سعد السعودي؟

أي سعد الحريري الذي قدم استقالته الغريبة من الرياض؟ سعد الحريري اللبناني الذي يترأس الحكومة في لبنان أم سعد الحريري السعودي الذي يحمل جنسية المملكة وجنى ثروته وثروة أبيه من قبله في السعودية وكان وعائلته ركنا من أركانها الاقتصادية والمالية والسياسية يعيشون على مقدراتها ويضربون بسيفها؟
استقالة سعد الحريري اللبناني تضع لبنان على مفترق، تنهي إلى حد كبير حالة الاستقرار النسبي الذي تمتع به هذا البلد الصغير في خضم موجة المحن العربية، وترفع عنه الخيمة المهترئة لمسرحية النأي بالنفس، لتسقطه في مهب الصراع الاقليمي، بعدما أشبع بيان الاستقالة بمفردات سعودية تشهر التحدي في وجه إيران، وترفع السيوف لـ«قطع» أيديها، التي امتدت إلى الأعماق العربية. وتاليا أظهرت وكأن لبنان مقدم على حروب عدة، وليس حربا واحدة، حروب اقتصادية، وأُخرى أمنية، وثالثة عسكرية، ورابعة نفسية.
لكن تزامن هذه الاستقالة مع خبر تجميع عشرات الأمراء والوزراء والمسؤولين السابقين، وبينهم أصدقاء مقربون للحريري، وشركاء في عملية تجميع الثروات الباهظة، ووضعهم قيد الاقامة الجبرية في «الريتز كارلتون» بتهم الفساد وغسيل الأموال والتربح غير المشروع، أثارت الشكوك بأن الحريري الذي اختفى أثره بعد تقديم استقالته، هو سعد الحريري السعودي وليس اللبناني.
وربما لن تتأخر الدلائل على أن سعد الحريري هو واحد من ضحايا ذلك التحرك المذهل الذي شهدته الرياض ليلة السبت، الذي هز أركان العائلة الحاكمة، وقوض الأسس التي بني عليها الاقتصاد السعودي طوال العقود الثلاثة الماضية أو أكثر.. وأزال آخر العقبات العائلية والسياسية أمام جلوس الأمير محمد بن سلمان على العرش، وحيداً، من دون منازع أو منافس أو حتى متحفظ. وعليه فان دفع الرئيس الحريري اللبناني على الاستقالة ليس لسبب داخلي لبناني، فالرجل لم يكن يريد الاستقالة، ولم يصدر عنه قبل استدعائه المفاجئ إلى الرياض ما يوحي بأنه مقدم على هذه الخطوة. وتاليا يجب التفتيش عن سبب الاستقالة في سعد الحريري السعودي وليس سعد الحريري اللبناني. فهو على الأرجح ضحية صراع داخلي في السعودية.
في هذه الحالة، أي حالة الاستهداف الشخصي للحريري السعودي، يمكن ان اعتبار الاستقالة شأناً داخلياً سعودياً، يعبر عن صراع مرير للإمساك ببيت الحكم وبيت المال السعوديين، ويتفادى اللبنانيون تحولهم المفاجئ إلى جبهة مواجهة متقدمة مع المشروع الإيراني، تضاف إلى جبهات متعثرة عدة فتحتها السعودية في اليمن والعراق وسوريا، ولم تستطع أن تصد فيها الإيرانيين وحلفاءهم، الذين بلغت ضرباتهم الصاروخية الرياض نفسها.
لكن حتى ولو صدقت التوقعات بأن الرياض تسترد الآن وديعتها الحريرية، الموجودة في لبنان منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن أحداً من اللبنانيين، من دون استثناء، لا يبدو مطمئناً إلى هذا التحرك السعودي الجديد الذي ترك لبنان ساحة خالية لإيران بعدما عزلت المملكة رجلها الأول في لبنان عن المنصب الأقوى في هذا البلد. فسياسة «المقعد الشاغر» تبقى الخيار الأسوأ في عالم السياسة، ولا تلجأ إليه الدول إلا في حالات الضرورات السياسية القصوى، وكأن الدرس اليمني بكل فصوله المريرة لم يكن كافيا للطامحين الجدد إلى العروش في قصور الرياض لأخذ العبر.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية