كتاب وأراء

حكـيــم الخـليــج

حكـيــم الخـليــج

يقول الله جل وعلا: يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [البقرة: 269].
يحافظ الحكماء على هدوئهم في أوقات الأزمات، وهم قادرون على الرجوع خطوة للوراء والنظر إلى الصورة بشكل أشمل. فهم يتصفون بعمق التفكير، ويجيدون التأمل في جميع الاتجاهات وتحليل قدرات الذات، ويطرحون مسارات بديلة لحلحلة الأمور، ولا ينسون أن العالم يتغير على الدوام.
كما أن الحكماء يمكنهم التعامل مع مواقف تتسم بعدم الوضوح، وفيها الكثير من الغموض وأحيانا استفزاز وابتزاز وسلوكيات تثير الاشمئزاز، ومع ذلك يتميزون بالصبر والحلم ويظلون متفائلين بأنه مهما كانت الأبواب موصدة والمشاكل معقدة، يبقى هناك بارقة أمل قد يكون بعدها المخارج والحلول، كما أن بإمكانهم التمييز بين الخطأ والصواب، والغث والسمين، ويتعاملون مع كل السيناريوهات في إطار مساعيهم الحميدة لإصلاح ذات البين.
وإذا كنا نختلف حول تعريف دقيق للحكمة فإنه سيظل بالإمكان تحليلها إلى العناصر المكوّنة لها، وهي أربعة: الحنكة، والمعرفة، والإرادة، والصبر.
فالذكاء اللماح، والمعرفة الواسعة، والعزيمة الصُلبة تكوّن معا الحكمة مضافا لها الحلم و«طولة البال».
بهذه الصفات مجتمعة تبرز لنا شخصية قائد الإنسانية وحكيم الخليج صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت صاحب القلب الكبير والصبر الطويل على ممارسات دول الحصار وتعنتهم واستفزازهم وتقويض جهود بلاده لإخراج المنطقة من أزمتها الطاحنة والتي لن يستفيد منها أي طرف بل إن التصعيد قد ينذر بخطر كبير على شعوب الخليج.
رجل الدبلوماسية يحمل العديد من التجارب والخبرات عبر تاريخ حافل من العمل السياسي والإنساني ويدرك تماما ما تمر به المنطقة من تحولات قد تفتح الباب على مصراعيه لتدخلات خارجية مما سيهز الاستقرار ويهدد الأمن ومنظومة مجلس التعاون الخليجي التي ظلت لعقود من الزمن متماسكة ومترابطة ودولها متكاتفة قبل أن تظهر على الساحة مراهقة سياسية وإعلامية غير مسبوقة وتقحم المنطقة وشعوبها في أتون أزمة مفتعلة لأهداف ومطامع خارجية وترتيب ملفات داخلية، وليس لسبب الإرهاب الذي يتم تسويقه دوليا بهدف كسب التأييد الغربي، لكن الحقائق على الأرض تهزم الشعارات الزائفة، فقطر شريك استراتيجي في محاربة الإرهاب بشهادة دونالد ترامب الرئيس الأميركي وعبر المشاركة في تحالفين دولي وإسلامي واتفاقية مع الولايات المتحدة لمكافحته، ولذلك تحظى هي بالتعاطف الدولي والتأييد الأوروبي نتيجة سلامة موقفها.
حكيم الخليج قاد الكويت في مرحلة من أهم مراحلها، وقدم إرثا رائعا سوف تذكره الأجيال، عبر جهوده في العمل الإنساني والتنموي، وهي الجهود التي دعت الأمم المتحدة إلى تكريمه عليها في سبتمبر «2014» ومنحته لقب «قائد إنساني».
يقول سمو أمير الكويت في حفل تكريمه، إن «دولة الكويت سنت لنفسها، منذ استقلالها، نهجا ثابتا في سياستها الخارجية ارتكز على ضرورة تقديم المساعدات الإنسانية لكل البلدان المحتاجة بعيدا عن المحددات الجغرافية والدينية والعرقية، انطلاقا من عقيدتها وقناعتها بأهمية الشراكة الدولية».
من الصعب وضع شخصية سمو أمير الكويت في إطار محدد، أو اختزالها بكلمات، فهو شخصية عربية بارزة ومتمرسة، وعندما اخترت سمة الحكمة، فلأنها تنطوي على أكبر قدر من الصفات التي تميز سموه، وقبل كل هذا الزخم هو عميد للدبلوماسية العالمية، وحين تصدى للأزمة الخليجية، كان واضحا أنه الرجل الوحيد القادر على التوسط فيها، لخبرته وحنكته ودبلوماسيته وإيمانه العميق بالعمل الخليجي المشترك، وحرصه الأكيد على بقاء مجلس التعاون، ولذلك كله حظيت وساطته وتحركاته بدعم دولي قل نظيره، يعبر عن المكانة التي يحظى بها سموه والتقدير والاحترام الكبيرين اللذين تكنهما الأسرة الدولية له ولدولة الكويت الشقيقة.
تحمل مشقة السفر وعناء اللقاءات، وكلما بدا أن النفق مظلم أشعل ضوءاً بلا ضوضاء وأطلق كلمة تدعو للتفاؤل والصفاء وناشد الجميع تحكيم العقل والمنطق والمصالح المشتركة.
وبالأمس خلال افتتاحه دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر في مجلس الأمة أوقد شمعة جديدة في نفق الأزمة، ودق جرس الإنذار، عندما أعلن أن على الجميع أن يدركوا أن الهدف الأوحد لدولة الكويت من الوساطة الخليجية إصلاح ذات البين وترميم البيت الخليجي «الذي هو بيتنا وحمايته من الانهيار»، مذكرا الجميع بأنها ليست مجرد وساطة تقليدية قائلا:
«نحن لسنا طرفا بل طرف واحد مع شقيقين».
كان واضحا أن هذه الأزمة هي همه الأول، لذلك لم يتردد في تذكير الجميع بمسؤولياتهم «خلافا لتمنياتنا وآمالنا تحمل في طياتها احتمالات التطور، ويجب أن نكون على وعي كامل بمخاطر التصعيد بما يعنيه ذلك من تداعيات إقليمية ودولية تعود بالضرر على الخليج وشعوبه».
لم يكتف بدق ناقوس الخطر، بل أشار بوضوح إلى أولئك الذين يحاولون تأجيج الفتنة والنفخ في نيرانها الحارقة قائلا: «التاريخ وأجيال الخليج القادمة والعرب لن تغفر لكل من يسهم ولو بكلمة واحدة في تأجيج هذا الخلاف أو يكون سببا فيه... مجلس التعاون هو بارقة أمل واعدة في ظلام العمل العربي والشمعة التي تضيء النفق الطويل ونموذج يجب أن يحتذى به في التعاون».
لم ينل الاحباط منه، ومازالت عزيمته تزداد قوة من أجل تجاوز كل الصعوبات والتحديات والعوائق للوصول إلى هدفه النبيل المتمثل بإعادة ترميم البيت الخليجي، لذلك شدد على وجوب «الالتزام بنهج التهدئة وتجنب التراشق سعيا إلى تجاوز هذه الأزمة».
بهذه الحكمة، وبهذا النبل، وبتلك الأخلاق تعامل صاحب السمو أمير دولة الكويت مع الأزمة الخليجية، لذلك كانت قطر أول المؤيدين لوساطته وتحركاته ونبل مقاصده، ولم تدخر وسعا في التعبير عن دعمها ومؤازرتها لطروحاته، فهي تدرك أن سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ينطلق من موقف مبدئي ثابت يقوم على حماية البيت الخليجي ومنعه من الانهيار، وهي تدرك أن وساطته ليس لها من هدف سوى حماية المنطقة وتعزيز أمنها والمساهمة في استقرارها.
لكن في المقابل وعلى الجانب الآخر لدى دول الحصار لم تجد هذه الجهود الخيرة قيادات على مستوى المسؤولية، لا من ناحية الخبرات ولا من واقع السياسات، وبدا واضحا أنهم يهربون من الحوار لأن ليس لديهم ما يقنع شعوبهم أو المجتمع الدولي، فلهم مآرب أخرى وأطماع بعيدة عن كل ما يقال أو يشاع!
لا يمكن المقارنة بين صاحب السمو أمير الكويت وبين «المؤزمين المراهقين» الذين لم يستوعبوا بعد أن هدم البيت الخليجي سيكون وبالا عليهم قبل غيرهم، وأن استهداف قطر هو استهداف لأمنهم واستقرارهم في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، ومازالوا يراهنون بعبثية وصبيانية على أن في مقدورهم تركيع قطر والنيل منها.. وهذا حلم أشبه بكابوس وفيلم ساذج غير مدروس!
هنا بالتحديد يكمن الفارق الأساسي بين قطر وبين دول الحصار، وهنا تبرز المواقف المسؤولة، والمواقف غير المسؤولة، ففي حين لم نسمع شيئا من هذه الدول عن تلك الكلمة المهمة لسمو أمير الكويت، كان لقطر موقف واضح ومسؤول، عبرت فيه عن تقديرها وتثمينها البالغين لما تناوله صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأعادت إلى الأذهان ما دأبت عليه عبر تاريخها في السعي بكلّ سبل الصلح وتبني النهج الحضاري والسلمي في حلّ النزاعات، لذلك لم يكن غريبا ولا مفاجئا إعلان قطر استجابتها لنداء سمو أمير دولة الكويت، إيماناً منها بعدالة موقفها إزاء ما تتعرض له في هذه الأزمة، وتمسكها بالحوار القائم على الاحترام المتبادل، انطلاقاً من مبادئها وقيمها الراسخة.
مبادئ قطر ليست بالجديدة، وليست انعكاساً للظروف الراهنة، فقد كان السعي لوحدة الصف الخليجي، وإعلاء الهدف الخليجي المشترك، والوفاء بكافة الالتزامات للحفاظ على كيان مجلس التعاون الخليجي هو ديدن دولة قطر الدائم في أوقات الرخاء والشدّة على حدّ سواء.
وعلى الرغم مما تعرضت وتتعرض له دولة قطر من حملة إعلامية ممنهجة، تطال رموزها وحكومتها وشعبها، فقد استجابت لدعوة سمو أمير دولة الكويت الشقيقة، استمرارا للنهج الذي أرساه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في خطابه لشعبنا بتاريخ 21 يوليو 2017، وأهابت بالمواطنين والمقيمين وكافة وسائل الإعلام في دولة قطر تجنب الانسياق أو الانزلاق إلى الإساءة لرموز الخليج والبعد عن الانجراف وراء ما يتم ترويجه من دول الحصار من نعرات قبلية، عفا عليها الدهر.
لقد أكدت دولة قطر التزامها بقواعد الأمن والتعاضد والمودّة بين الأشقاء، في مجلس التعاون، ولم ترض يوما بخلخلة هذه القواعد، ولم تترك مناسبة إلا وأكدت فيها تمسكها بهذه المواقف المبدئية الثابتة، وهي عندما أصدرت البيان الذي ثمّن عاليا كلمة سمو أمير الكويت، فإنها أعادت مرة أخرى التأكيد على مواقفها هذه، وعلى تقديرها العميق لوساطة سمو أمير الكويت، واحترام جهوده القيمة والمخلصة والتعاطي معها بمنتهى الإيجابية.
لقد كانت كلمات سمو أمير الكويت بالأمس في غاية الوضوح «التاريخ وأجيال الخليج القادمة والعرب لن تغفر لكل من يسهم ولو بكلمة واحدة في تأجيج هذا الخلاف أو يكون سببا فيه».
بين سمو أمير الكويت وبين هؤلاء سنوات ضوئية من الحلم والعلم وفارق شاسع، هو المسافة بين الحكمة والحماقة، وبين ما تحمله الكلمة الأولى من معان نبيلة جميلة جليلة تنطوي على المعرفة والإرادة والأخلاق الإسلامية والعربية الأصيلة، وبين الثانية التي قالوا فيها قديما:
لكل داء دواء يستطب به.. إلا الحماقة أعيت من يداويها
بقلم: محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري