كتاب وأراء

مهرجان الروح... للعجائز!

نعم، قلت بالأمس إن العجائز لا ينتحرون- مثل الشباب- ذلك الانتحار المادي، وإنما ينتحرون معنويا في اليوم الواحد مائة.. بل مليون مرة.
الزمان، ذلك الذي يعيش فيه الفرد- وكذا المكان- هما معا، المعادل الروحي، لمكنونات الإنسان، غير المحسوسة، تلك التي تتلفع بها روحه.
حين يفقد الإنسان مكانه وزمانه، تبدأ فيه تلك المكنونات في التلاشي، شيئا فشيئا، وتبدأ من ثم الروح، موسم الهجرة إلى... الطلوع!
هكذا هي الروح، لا تبدأ في الطلوع دفعة واحدة،. إنها تظل تطلع وتطلع، حتى إذا ما كانت الطلعة الأخيرة، كانت الحشرجة في الحلقوم.
في تلك اللحظة، يطالع كل الذين يشهدون ذلكم المشهد الرهيب، التحدي الإلهي: ارجعوها إن كنتم صادقين.
للمكان والزمان-أي منهما- دبيب نهاية أدق حسا من دبيب النمل- يحسه عميقا العواجيز، حين يكون المكان ليس مكانهم، ولا الزمان.
هل الموت المادي هو النهاية؟
لا. بل هو بداية جديدة. هو انتقال من مكان وزمان ظهر الأرض، إلى باطنها.. إلى البرزخ.. والبرزخ أشبه بالترانزيت.. ومنه إلى يوم الدين.
مشكلة العواجيز، أولئك الذين يموتون في اليوم الواحد مليون مرة، إنهم لا يتصالحون مع الزمان الذي لم يعد زمانهم.. ولا مع المكان الغير.
وأنا أكتب تحت عنوان «العواجيز لا ينتحرون» للمرة الثانية، أدعوهم للتصالح:
صالحوا أنفسكم، وأنتم من حال الشباب في حالة شيخوخة.
صالحوا المكان الذي ما عاد مكانكم، وصالحوا الزمان الغريب..
صالحوا أي شعرة في رؤوسكم، من بعد سواد أصبحت بياضا، يصرخ، ويستصرخ العمر الذي كان، وكان.
تصالحوا مع الغضون والتجاعيد..
اقبضوا على اللحظة الحاضرة..
ما الحياة، في كل مراحل العمر، غير تلك اللحظة الحاضرة.. أغنى لحظات الزمن، وأصدقها.. ما قبلها أدمنت الرحيل، وما بعدها ليست سوى قبض ريح!
اقبضوا عليها. عيشوها كما ينبغي..
في تلك اللحظة، لن تحسوا عميقا ذلك الدبيب، وإن أحسستم أن المكان غير مكانكم.. ولا الزمان.
ذلك الإحساس مراوغ.
في كل لحظة تتنفسونها، الزمان زمانكم.. والمكان مكانكم.
عيشوا المهرجان..
بالمناسبة، دول عديدة في الغرب، تقيم مهرجانا للعمر، ترون فيه العجائز في عمر التسعين والمائة، شبابا، يمرحون، وهم في الملابس الزاهية، الملونة.. ملابس الشباب.
اقم في روحك، مثل هذا المهرجان..
اجعلها تزهو.. وتتبختر.
إنك بذلك، تسد كل الأبواب التي يمكن أن يتسلل منها إلى روحك، ذلك الإحساس المهلك، بالعجز.. ذلك الإحساس باقتراب الرحيل.
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار