كتاب وأراء

العواجيز لا ينتحرون!

حمدتُ الله أن صاحبي- الذي كان يزاملني لسنوات في هذه الصحيفة- نشأت الحلبي، أنه قد تجاوز عمر الشباب، بسنين عدد، وأصبح بالتالي من الارادنة العواجيز!
إبن الحلبي، أتخيله يحمد ربه أيضا، وهو يقرأ في ذات التقرير الإخباري – الذي لفت انتباهي، وهو التقرير الذي يتحدث عن ارتفاع نسبة الشباب المنتحرين، في الأردن، في العام الماضي.
لو كان صاحبي المُتشبب الاممي- إبن الحلبي-لا يزال شابا، لكان التقرير السنوي لحقوق الإنسان في الأردن، الذي تحدث عن هذه «الظاهرة» قد أدرجه ضمنيا، في تلك النسبة، خاصة انه يعاني من كآبة روحية.. وكآبة الروح أحد أسباب الإنتحار، في هذا العالم!
في تقدم العمر رحمة، إذن، ومن تلك الرحمة ألا يقتل من تقدم عمره، نفسه، ويصبح بالتالي من الهالكين في الدنيا، أولئك الذين صموا آذانهم عن الآية المباركة« ولا تقتلوا أنفسكم خشية إملاق».
كآبة الروح، من أسبابها خشية الفقر المادي، ولو كان كل الذين يعانون من هذه الكآبة القاتلة، قد ادركوا ان الفقر الحقيقي، هو فقر الروح والوجدان والضمير، ماكانوا أصلا قد ضربتهم هذه الكآبة، ولما كانوا بالتالي أسرى لوسوسة الإنتحار، تلك الوسوسة الخناسة التي تستحيل في لحظة فاصلة، إلى صراع شرس بين الرغبة في الحياة- وهي الاصل في الوجود- والرغبة في الموت، و.. تنتصر في النهاية، الرغبة الثانية، المهلكة!
كآبة الروح التي تضرب العواجيز- من امثال صاحبي- لا تقود إلى الإنتحار المادي، والسبب الاساسي ان العواجيز ينتحرون معنويا، في اليوم الواحد مائة مرة، وهم يستذكرون الزمن الجميل- زمنهم- ويدخلون في مقارنات بينه وبين هذا الزمن الغشوم، ويضربون كفا بكف، ويتأوهون في أسى: «روح.. روح يازمان.. وتعال يازمان»!
صاحبي الحلبي من المتأوهين، الذين يضربون كفا بكف، ليس على الشباب الذي ولى وراح، وقد تفتق ذهنه هو بقانون المعاوضة: تشبب لو رحل الشباب.. وإنما هو كذلك من الضاربين الكف بكف، على زمان البحبحة المادية، وزمان الوصل بالصحاب من كل جنس، في عاصمة الخير: الدوحة.
مفارقة المكان الذي تحبه- تماما مثل مفارقة الزمان الحبيب- يصيبك بكآبة روحية..
لن أستثني نفسي. انا مثل صاحبي الحلبي، ضربتني كآبة الروح، منٍذ أن فارقت الدوحة أسيفا.. زمانا ومكانا وأصحابا
وريالات.. الريال يوسوس للريال!
هل انا قلتُ لكم إذن، أنني مثل صاحبي- الحلبي- قد صرتُ عجوزا من الغابرين؟
بالتأكيد.. لكنني احمد الله، انني لن انتحر.. مثل بعض شباب الأردن الذين قفزوا بمعدلات الإنتحار- بسبب أو بآخر أو جملة أسباب- في ذلك البلد الطيب.. الطيبون أهلها!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار