كتاب وأراء

أنا البرنامج .. و«البرنامج أنا»

يبدو أن الذين درسوا علوم الإعلام- ولا أبرئ نفسي-، قد أخطأوا في حق انفسهم، وخصوصا اولئك الزملاء الذين تخصصوا في اقسام الاذاعة والتليفزيون.
سيحتج الزملاء، بأننا لم نكن نعرف ما ستؤول اليه الامور، وهو عذر أقبح من ذنب، فقد درسنا في المرحلة الثانوية، علم المنطق، وكلنا يعرف القاعدة الذهبية، ان المقدمات تؤدي إلى نتائج من جنسها، وبعيدا عن المنطق، فأظن أن الجميع يعرف ان «الجواب يبان من عنوانه».
والمقدمات وعنوان الخطاب، كانت تقول، إننا مقبلون على مفهوم جديد للاعلام، خصوصا المرئي، وتحديدا لما يسمى ببرامج «التوك شو»، ومن ثم بقية أنواع البرامج. وللإنصاف، هو مفهوم، لا ينفصل كثيرا عن الواقع، فالشخص هو البطل، الآن في جميع المجالات، من رأس الهرم، إلى سفحه، وبالتالي فالوضع الطبيعي، ان تسمع مقدم برنامج، يردد «أنا في برنامجي افعل كذا..». وهو تواضع من السيد المذيع، ان يضيف واو العطف التي تقتضي المغايرة، لأنه والبرنامج اصبحا واحدا، فالسيد المذيع، هو الفكرة والضيف والجمهور.. هو مصدر المعلومة، وصاحب الرأي. هو القائم بالتحليل، والتنظير، وصاحب القول الفصل في كل شيء.. راجع عبارة «أنا بقولكم أهوه»، التي تتردد على لسان العديد من مقدمي البرامج.
لقد بات الإعلام، بمثابة نهاية مكافأة الخدمة، أو هدية للمحاسيب والمرضي عنهم، أو بصريح العبارة «مهنة من لا مهنة له»، فهذا لاعب كرة قدم نهل من لعبته حتى شبع، وخلع قميصه المرقم؛ ليرتدي بذلة عصرية كرافاتها بلون شعار القناة، ليستأثر بدور مذيع ومعلق، وذلك فنان- فنانة انحصرت عنه الأضواء، فجدد لونه خالعًا جلد الممثل مرتديًا زي الإعلامي وملحقًا اسمه بكلمة «شو»، أو سابقا اياه بكلمتي «الليلة مع...». وهذا مقرب من السلطة، يراد مكافأته، فتقتطع له عدة ساعات من بث فضائية ما، ليقدم خلالها برنامج، باعتباره «خبيرا استراتيجيا». إلى آخر القائمة، وهي طويلة بطول مأساة التردي، التي نرزح فيها.
خلاصة القول «لقد اصبحت كليات الاعلام عديمة الجدوى، ولا طائل لوجودها وربما الافضل غلقها».. هكذا قال احد الاصدقاء، وأنا أوافقه.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى