كتاب وأراء

تلك الصابونة.. عنصرية!

لئن كان هذا العالم، اتخذ موقفاً صارماً ضد العنصرية، كممارسة كريهة من البشر، فالأحرى به- أن يتخذ منها موقفاً صارماً- أيضاً- كمنتجات، تشق طريقها إلى الأسواق.
تلك هي الرسالة، التي أراد أن يوصلها آلاف الأميركيين، إلى العالم، وهم يتخذون موقفاً أخلاقياً صارماً، ضد صابونة، من تصنيع شركة دوف.. ويتخذون– انطلاقاً من ذلك- موقفاً صارماً ضد الشركة المنتجة، تمثل في دعوة واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي بمقاطعة كافة منتجاتها!
العنصرية، لا تتجزأ. إنها قد تكون سلوكاً، وقد تكون خطاباً، وقد تكون مجرد إيماءة أو إشارة، أو قد تكون مجرد نكتة، أو قد تكون منتجاً من منتجات تفتيح البشرة..
الحملة ضد شركة دوف انطلقت مباشرة بعد إعلان ترويجي لصابونة (ساحرة) تستطيع أن تبدل لون البشرة السوداء إلى بيضاء.. في الإعلان تظهر شابة سوداء، تبدو بيضاء ما أن تخلع قميصها.. إنها دوف!
هكذا يقول الإعلان عن الصابونة.. لكن الإعلان أول ما ظهر على موقع الشركة في فيسبوك، سد أعداء العنصرية في أميركا أنوفهم. لقد كانت تفوح منه رائحة نتنة.. رائحة طالما أزكمت الأنوف في أميركا، ذات تاريخ (أبيض).. وأزكمت أنوفاً في جنوب إفريقيا ذات فصل عنصري، وتزكم أنوفاً في مناطق واسعة من العالم.. ولا تزال تلك الرائحة الكريهة تفوح في مناطق أخرى من العالم.
الخبر يقول: إن شركة دوف، أصيبت بما يشبه الكارثة، فأسرعت تسحب الإعلان، ولم تتردد في أن تعتذر..
الشركات الكبرى، مثل بعض البشر، تخاف ولا تستحي. تخاف من الخسارة، ولو كانت شركة دوف تملك ذرة واحدة من الاستحياء لما كانت قد تورطت أصلاً، في ما تورطت فيه.. ولو كانت تقرأ مواقف الإنسانيين في كل مكان، من العنصرية، تلك التي دفعت الإنسانية لمحاربتها من دمها ووقتها، لما كانت قد تورطت أيضاً!
ما يفرح القلب حقاً أن في هذا العالم عيوناً مفتوحة على أي انتهاك للمساواة بين البشر. ما يفرح القلب هو هذا الموقف الصارم ضد الفروقات بين اللون واللون، حتى وإن حاولت بعض الشركات أن تروج لهذه الفروقات، ولو عبر صابونة!
لكن ماهو مؤلم تماماً، أنه في تمام الوقت الذي كنت أسجل فيه إعجابي بالحملة القوية ضد الصابونة العنصرية، كان أشرطة الإعلانات أسفل كل شاشات السودان، تروج دون خوف أو حياء لمستحضرات متنوعة من مستحضرات تفتيح البشرة.. تلك المستحضرات العنصرية!
هم هنالك، منتهى الوعي.. ونحن هنا في منتهى الغفلة.
هل المسافة تلك التي تباعد بين السودان وأميركا، هي التي وراء كل هذه الفروقات في القضية الواحدة، تلك التي لا تقبل التجزئة؟
لا.. إنها المسافة بين عقل وعقل.. بين ضمير وضمير.. بين التفرس في كل ما هو جميل وكل ما هو قبيح.. بين ما هو إنساني وبين ما هو ضد الإنسان!
دلل يا صاحبي على موقفك الأخلاقي ضد العنصرية، بمقاطعة أي وسيلة إعلامية- مقروءة أو مسموعة أو مشاهدة- تروج للمنتجات العنصرية.
كن إنسانياً.. ذلك أزكى لك.
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار