كتاب وأراء

العقوبات.. ليست أصل الداء!

الخرطوم تدرك تماما انه ليس بالاماني العزيزة- وحدها- يمكن ان ترفع واشنطن عقوباتها التي امتدت لما يقارب العشرين عاما.
همة دبلوماسية عالية، ظلت تبذلها الخرطوم- خاصة في السنوات الاخيرة- متبوعة بجملة محاولات جادة لتنظيف سجلاتها، تلك المعنية بحقوق الإنسان، والحريات، وارساء السلام في المناطق التي تشهد حروبا تحت دعاوى الإقتسام العادل للسلطة والثروة.
تزامنت مع تلك الهمة، جهود وساطة عواصم خليجية تربطها علاقات متميزة مع واشنطن.. ومن بين تلك العواصم الدوحة، بكل ماتشكله من تأثير قوى، في العاصمة الأميركية- تحديدا- والعواصم الغربية، إجمالا.
تلك الهمة الدبلوماسية السودانية، مع محاولات التنظيف، وجهود الوسطاء، أثمرت قبل عدة أشهر عن رفع أميركا للعقوبات جزئيا، عن السودان.. لكن الخرطوم، التي كانت تأمل في رفعها كليا، أصيبت بالصدمة، بالرفع الجزئي، والذي رافقه بيان من الإدارة الاميركية، يمدد قرار رفع العقوبات كليا إلى اكتوبر الحالي، لإعطاء السودان مهلة ثلاثة أشهر لتقديم المزيد من (التنظيف) في سجلات معينة اهمها: حقوق الإنسان والحريات الدينية وتأكيد التزام السودان بالقرارات الاممية المعنية بمقاطعة كوريا المارقة.
المهلة، الآن تقترب نهاياتها.. والخرطوم تتطلع إلى البيت الأبيض، ولا حديث يعلو حاليا في السودان، فوق الحديث عن العقوبات، وما إذا كانت سترفع كليا، ام لا.
الجنيه السوداني، الذي انهكته العقوبات، وتهاوت به إلى درك سحيق، يمد الآن عينيه الكليلتين إلى حيث الدولار، الذي ترتفع قيمته مقابل الجنيه، في معظم الاحايين.. وتنزل قيمته احيانا باشاعة، وأحيانا برفع الحكومة من تفاؤلها باقتراب ان ترضى عنها واشنطن، بعد كل تلك المحاولات الجادة، لاتباع ملتها!
للدولار سطوة. وللدولار لسان يتكلم به حتى الباعة الهامشيين في الشوارع. الذين يبيعون مناديل الورق وقارورات المياه- مثلا- في الشوارع، يمكنهم ببساطة ان يرفعوا قيمة بضاعاتهم في اليوم التالى، وفي طرف السنتهم الإجابة الجاهزة: ( اليوم ياعمك شوف الدولار بى كم)!
يجيبون هكذا، عند ناصية أي سؤال، والجنيه- الذي كان عزيز قوم، وأصابته الذلة- لا يملك إلا ان يطاطئ عينيه في إنكسار!
السؤال الذي يملأ الألسنة حاليا في السودان هو: لوتم رفع العقوبات كليا، هل يمكن بالتالى ان تنزل الاسعار، و»يرطب» المواطن الذي يعيش في جحيم الاسواق تلك التي لا ترحم حتى اولئك الذين يترددون على المستشفيات الحكومية البائسة، طلبا للتداوى.. ومااكثر انفقاع المرارة في ظل جنون الدولار، وكل تلكم المسكنة التي ضربت الجنيه الغلبان!
المحللون الاقتصاديون، هم الاكثر تشاؤما. لا يعنيهم ما إذا رفعت العقوبات أم لا. مايعنيهم ان يكون في السودان إنتاج. مايعنيهم ان تنخفض فاتورة الاستهلاك، خاصة التفاخري في الملبس والمأكل وكل دابة من دواب الدفع الرباعي. مايعنيهم ان يتوقف الصرف البذخي. مايعنيهم ان تتحرك دواليب التنمية الشاملة بكل تسمياته، وأهمها تنمية مفاهيم المواطنة الحقة تلك التي لا تشوهها ظاهرة الفساد التي ضربت اطنابها في كل مناحي الحياة.
ربما ترفع أميركا العقوبات.. وربما لا.. لكن تبقى تلك العقوبات ليست هي اصل الداء اللعين الذي يعاني منه السودان، بأية حال من الاحوال.

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار