كتاب وأراء

عن تلك التي في جماجمنا!

إنك لا تتذكر،أحيانا.. لا تتذكر وجها، أو كلاما، أو موقفا، أو ضحكة، أو دمعة، أو مشوارا، أو أسماء، رغم أنك، كنت قد رددت هذا الاسم، مئات المرات، وكنت قد ضحكت الضحكة اياها، وقلت ذلك الكلام، واتخذت ذلك الموقف، وصافحت عيناك ذلك الوجه، ومشــــيت ذلك المشوار!
المسألة، ببساطة، أن ذاكرتك قد أهملت كل ذلك، لتحتفظ بمواقف أخرى، ومشاوير، وضحكات، ودمعات، وأسماء، ووجوه، و.... و.....
للذاكرة ــ أي ذاكرة ــ طاقة استيعابية معينة، وهذه الطاقة ــ فيما أظن ــ لا تتناقص بتناقص العمر، وانما تتناقص بقلة أو عدم المران!
الذاكرة.. تحتاج إلى مران، باستمرار.. تماما مثل اليدين، أو الرجلين، أو العينين، أو بقية أعضاء الجسد.. وحين يقل هذا المران، أو ينعدم، يصيب الذاكرة، ما يصيب الركبتين مثلا، أو ما يصيب القدمين، أو الرجلين، من وهن.. ومن ضعف!
مرِّن ذاكرتك، باستمرار ــ إذن ــ لتنشط،، وتتذكر ما توشك أن تضيعه أنت، في زحمة تدفق الجديد إلى ذاكرتك.
إنني شخصيا، أنشط ذاكرتي، بالتمارين. إنني ــ مثلا ــ من وقت لآخر، أحاول أن استدعي إلى ذاكرتي، كل الشخصيات التي تحمل اسم عبدالمنعم، مثلا.
أظل أردد: عبدالمنعم.. عبدالمنعم.. وفي كل مرة، يطل على عيني، من مكان ما في ذاكرتي، واحد من عبيدالمنعم، الذين عرفتهم في حياتي. نعم هذا هو عبدالمنعم الفلاني.. وذلك هو عبدالمنعم العلاني.. أو هذا هو عبدالمنعم سليمان، زميلي في الثانوية.. وهذا عبدالمنعم برعي.. وذاك هو عبدالمنعم عوض الريح شتلي وذياك هو عبدالمنعم رحمة، وياااه ذاك هو عبدالمنعم الجزولي.... و.... و....
بالطبع، قد يغيب عن الذاكرة، في مرة من المرات، أحد عبيد المنعم، الذين أعرفهم.. لكن مع تكرار المحاولة.. يطل هذا العبدالمنعم، من مكان ما في الذاكرة، وأراه يبتسم، أو ينظر إليَّ في ارتياب، ويسألني في حنق: لماذا ضيعتني، كل هذا الزمن، يا زول؟؟
التمارين التي يمكن بها، استحضار كل عبيدالمنعم، يمكن بها ــ أيضا ــ استحضار الضحكات، والدموع، والمشاوير، والمواقف.
تذكر ــ مثلا ــ موقفا كريما من شخص ما، وانطلق منه، إلى تذكر كل المواقف الكريمة، من اشخاص آخرين.. تذكر ــ مثلا ــ مشوارا جميلا، وانطلق منه، لتتذكر كل المشاوير الجميلة، التي مشيتها في هذه الدنيا.تذكر إبتسامة، وانطلق إلى إبتسامات،تذكر ضحكة،ستتذكر ضحكات، تذكر (بكية) ستنفقع ببكيات!
بالطبع، قد تضيع منك مواقف، في هذه المرة، لكن ثق انها ستأتي إلى ذاكرتك، في المرة المقــــــبلة.. قد تضيع منك مشاوير كنت قد مشيتها.. ولكن ثق، أنك في المرة القادمة، ستمشيها في ذاكرتك،ستضيع منك إبتسامة، وضحكة، وبكية، ولكن ثق، تماما، أنك ستجدها، في النهاية!
الذاكرة، خزانة.و..أنت واهم، ان حاولت أن تشطب من ذاكرتك، أحدا، جسدا، أو موقفا، أو مشوارا، أو ضحكة، أو دمعة.. أو ابتسامة.
أنت واهم ــ تماما ــ اذا ما قلت إنك ستشطبني من ذاكرتك.. تماما، مثلما انا واهم ــ تماما ــ إذا قلت لك، انني يمكن ان اشطبك من ذاكرتي!
أنت ستبقى في هذه الخزانة ــ ذاكرتي ــ وفي المقابل، سأبقى أنا في خزانتك.
المسألة، أنني، ربما، أنزوي في مكان بعيد، في خزانتك.. وربما أنت ــ ايضا ــ تنزوي في مكان أبعد.. لكن.. لكن بالتمارين سأخرج اليك، ذات مرة.. وستخرج إليّ ذات مرات.. و..
ما أعظم هذه الخزانة، التي في جماجمنا!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار