كتاب وأراء

آه من هذه الخرطوم الثمود!

غربة من بعد غربة، والغربة تسكنني.. والغربة أسكنها.
الإنسان- هذا الكائن الذي مثله مثل الكائنات الأخرى التي تعرف ماهية الحنين- هو في هذه الدنيا، مثل النبي صالح في ثمود - غريب.. غريب فيها- هذه الدنيا- وإن استطال البقاء، واستطاب العيش!
كل الذين هم الآن البرزخ، من غربة إلى غربة.. وحيث كانت الغربة، كان الحنين.
ترى هل هم في حنين الآن، إلى الدنيا التي كانت لهم.. الدنيا التي لن تكون لغيرهم؟
(شققت المقابر كثيرا) غير أني لم أشق الطريق الذي ينتهي فيها، ليقودني إلى حيث الاموات في البرزخ.
لم. بل بالأحرى لمّا.. لكني أظنهم- الأموات– من حنين إلى دنيا خبروها، إلى رهبة من يوم تزيغ فيه الأبصار، وذلك هو يوم الفرار، ولا فرار!
حديث الغربة ذو شجون، والغربة - هكذا (غربات) ومن تلك الغربة عن المكان، والغربة فيه.. والغربة عن الزمان، والغربة فيه.. والمكان مثل الزمان، هو أيضا من، وحين إلى حال، وحين يتبدل الحال، تتبدل أحوال النفس: تفكيرا وخيالا، وتأخذها الغربة من تلابيبها، أخذا!
من تلابيبي، تأخذني الغربة الآن: غريب أنا في الخرطوم الآن.. والخرطوم - تلك الدنيا التي كنت ذات سنوات أعرفها وتعرفني- ها هي الآن في غباء من لا يعرفني، على الإطلاق!
هذه الشوارع التي كانت وقع خطواتي، ما عادت تعرف، وأنا هكذا فيها من عثرة إلى عثرة، ومن لفتة إلى لفتة، وتلفت الغريب في المدن، فيه من الخبل ما فيه.. وفيها من البلاهة ما قد يحيل الأهبل- حقيقة- إلى كائن لا يشكو منه الناس هبلا، ولا عبطا، على الاطلاق!
ومغني الخرطوم الذي كان يطربني ما عاد المغني، ولا الأغنية عادت هي الأغنية.. ولا السياسة ولا السياسيين، ولا التنابلة ولا السلطان، ولا السماسرة!
الشوارع تتنكر، وكذا المدن.. وكذا بعض الناس!
تنكرت ثمود.. وتنكر أهل ثمود، وصار صالح بينهم وفيهم، غريب الفكرة، واللسان، والإيمان!
أظن أنني قلت- وأنا أكتب عن الغربة- إننى الآن في الخرطوم، مثل صالح في ثمود.
آه من هذه الخرطوم الثمود!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار