كتاب وأراء

تركيا إلى الشرق در

واقعيا، لا تحتاج انقرة لمنظومة دفاعية صاروخية متطورة، ذلك أن ألد أعدائها اليوم، وهم حزب العمال الكردستاني وتنظيم «داعش» لا يمكن لأي منهما أن يهددها بهجمات جوية أو هجمات صاروخية. وحاليا، لا تشكل إيران تهديدا لتركيا. وعلاوة على ذلك فإن منصة الناتو للدفاع الجوي والصاروخي يمكن أن تحمي الأراضي التركية من أي ضربات إيرانية صاروخية مفترضة. كذلك لا تمثل أرمينيا التي تتنازع معها على اقليم ناغورني كاراباخ، تهديدا لتركيا، على الرغم من أنها مسلحة بنظام إسكندر الروسي قصير المدى.
إذ يرتبط إعلان تركيا شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي بعيد المدى S-400 بالوضع الجيوسياسي أكثر من الحساب العسكري، ذلك أن أنقرة عضو فاعل واساسي في منظمة حلف شمال الأطلسي التي تمتلك منظومة درع دفاعي خاصة، يمكنها أن توفر الحماية التي يسعى إليها الأتراك. اليوم، تعول أنقرة على ما هو أكثر من امتلاكها هذا السلاح الدفاعي شراءً، وهو نقل التقنية وتوطينها بما يتناغم مع مشروع التصنيع الدفاعي المحلي، وهو أمر كان متعذراً مع دول الناتو التي حاولت سابقاً الشراء منها، بينما اتفقت مع روسيا في هذه الصفقة على تحقيقه مستقبلاً.
وعلى افتراض أن الوفاق الروسي التركي ليس أزليا، يجب أن يُقرأ اهتمام أنقرة بالحصول على S-400، بوصفه محاولة لتغيير الاصطفاف الجيوسياسي بعد الهزة العنيفة في العلاقات التركية الاطلسية.
لقد بقيت أنقرة طوال الحرب الباردة بمثابة قاعدة متقدمة للناتو في مواجهة التمدد السوفياتي وفق خطة مارشال، لكن تركيا تعيش اليوم إحدى أكثر الفترات توتراً في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وثمة مخاوف لدى الرئيس أردوغان من أن واشنطن وبروكسيل قد تعملان على إطاحته، قد دفعه هذا إلى السير خطوة بعيدا عن الناتو والعمل على تحويل أنقرة إلى قطب جيوسياسي مستقل، قادر على فرض مصلحته أمام الكتلة الأميركية الأوروبية، ومحور موسكو- طهران، وحتى أمام الصين. هذا هو حلم أردوغان القديم في إقامة مركزية جديدة بين أوروبا وآسيا. وحتما هذا الأمر لا يروق ولن يروق للغرب.
مسار التباعد بين أنقرة وحلفائها الغربيين وتقاربها مع موسكو ليس جديداً، فهو حصيلة سنوات من خطوات متدرجة شملت طلب عضوية منظمة «شنغهاي» التي تقودها روسيا والصين في مواجهة الناتو.
تركيا تمنح روسيا اليوم فرصة الاختراق العسكري إلى قلب النظم الأطلسية، والهدف الروسي التركي غير المعلن قد يكون في ضوء التوتر التركي الأوروبي المتزايد وضع ملف عضوية تركيا في منظمة شنغهاي على طاولة الحوار بدلا من الحلم التركي بالاتحاد الأوروبي.
ما سيغضب واشنطن والكثير من العواصم الأوروبية وإسرائيل تحديدا ليس امتلاك تركيا لورقة قلب التوازنات العسكرية الصاروخية لصالحها في المنطقة وخروجها من وضعية الجلوس بين المطرقة الأطلسية والسندان الأوروبي بل حقيقة أن خطوة من هذا النوع هي أبعد من أن تكون مجرد انجاز عسكري بل تقارب تركي روسي متعدد الجانب ومنح انقرة فرصة دق اسفين في مسار العلاقات التركية الأطلسية واحتمالات سحب الكثير من الأوراق التركية الاستراتيجية الإقليمية من ايديهم وفي مقدمها ملفات المضائق التركية والصراع على حوض البحر الأسود وحروب خطط إمداد الطاقة ناهيك عن ملفات أمنية وسياسية واقتصادية كثيرة في المنطقة.
والسؤال هو: هل ستتنبه الولايات المتحدة والدول الأوروبية لخطورة خسارة تركيا لصالح روسيا فتحاول الاستدراك، أم إن مسار «التوقع ذاتي التحقق» سيفرض نفسه تباعداً أكثر بين الطرفين، أم إن تركيا قد حسمت أمرها فعلاً وأن التحول إلى نوع من التوازن مع الشرق مجرد وقت ليس إلا؟.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية