كتاب وأراء

عـــــزم وثـبــــات

عـــــزم وثـبــــات

وصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى مدينة نيويورك، بالولايات المتحدة الأميركية، للمشاركة في اجتماعات الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أعقاب جولة شملت تركيا وألمانيا وفرنسا.
المحطة الأولى
بدأت جولة صاحب السمو بالجمهورية التركية الشقيقة، حيث عقد سموه، حفظه الله، لقاء بالرئيس التركي تم خلاله بحث آخر تطورات الأزمة الخليجية والسبل الداعية لحلها عبر الطرق الدبلوماسية.
تتسم العلاقات القطرية- التركية بخصوصية تعود لسنوات خلت، عززتها مجموعة من الاتفاقيات الثنائية التي تتعلق أساسا بالتبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين، إلى جانب التبادل الفني والخبرات، مما ساهم إلى حد كبير في وضع اللبنة الأولى لتدعيم العلاقات الثنائية التي تجمع بين البلدين في مجالات مختلفة، كما تم في 19 ديسمبر 2014 الإعلان عن إنشاء اللجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين، قبل أن تعقد اجتماعها الأول في الدوحة في نهاية عام 2015، والذي أسفر عن عدد من الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون أبرزها بروتوكول التعاون بين قوات الأمن الداخلي «لخويا» وقوة الدرك الوطني بتركيا، وبروتوكول التعاون في مجال التدريب والتعليم بين حكومة دولة قطر وحكومة الجمهورية التركية.
لقد كان لموقف قطر الثابت والمبدئي من المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا أثر بالغ في تطوير علاقات الصداقة والأخوة، تم تتويجها بوصول القوات التركية إلى قطر مع اندلاع الأزمة الخليجية، بهدف رئيسي، هو حماية المنطقة الخليجية، وقد لعبت تركيا دورا مهما على صعيد التوسط في هذه الأزمة، لإيمانها بضرورة استقرارها وسط التحديات الجسيمة التي تعيشها، وكانت تركيا من بين أوائل الدول التي قدمت مساعداتها الغذائية لمواجهة الحصار الجائر المفروض على قطر، وكان طبيعيا أن تنطلق جولة صاحب السمو من تركيا، سواء بسبب تأثيرها الإقليمي، أو بسبب العلاقات الاستثنائية والمميزة التي تربط بين بلدينا الشقيقين.
المحطة الثانية
بعد تركيا وصل صاحب السمو إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث استعرض سموه مع المستشارة الدكتورة أنجيلا ميركل تطورات الأحداث الإقليمية والدولية، ولا سيما الأزمة الخليجية والمساعي والجهود المبذولة لاحتوائها وحلها بالحوار والطرق الدبلوماسية، عبر وساطة دولة الكويت الشقيقة.
وفي مؤتمر صحفي مشترك، عقب الاجتماع، أكد صاحب السمو على مجموعة المبادئ التي تحكم التحركات القطرية في ظل هذه الأزمة، وأبرزها استعداد قطر للجلوس على طاولة الحوار لحل هذه القضية، وإيمان قطر الثابت في ضرورة مكافحة الإرهاب مع التركيز على جذوره وأسبابه.
وبسبب عمق العلاقات التي تربط قطر وألمانيا، خاصة على صعيد الاقتصاد والاستثمارات، بث سموه رسالة تطمين في غاية الأهمية، عندما أوضح أن قطر تثق في الاقتصاد الألماني ثقة كبيرة، وهي شراكة استراتيجية، مبينا أن ما تمر به هذه الشركات هو أمر طبيعي، والذي لن يغير من موقف قطر حول هذه الاستثمارات.
المحطة الثالثة
باريس كانت المحطة الثالثة، وفيها بحث صاحب السمو مع الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية الصديقة العلاقات الثنائية الوطيدة بين البلدين، والسبل الكفيلة بدعمها وتطويرها في كافة المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وآخر تطورات الأزمة الخليجية وتداعياتها والجهود الرامية لحلها، عبر الحوار والطرق الدبلوماسية من خلال الوساطة التي تقوم بها دولة الكويت الشقيقة والتي يدعمها البلدان.
وكان موقف الرئيس الفرنسي واضحا لجهة الدعوة إلى رفع الحصار المفروض على قطر في أسرع وقت ممكن، كما أكد تصميم فرنسا وقطر على محاربة الإرهاب ووضع آليات مشتركة على هذا الصعيد، وفي ذلك إشارة لها مغزاها تؤكد ما تقوم به قطر منذ سنوات من أجل مواجهة هذه الآفة التي يعاني منها المجتمع الدولي بأسره.
المحطة الرابعة
نيويورك كانت المحطة الرابعة، ومن هناك سوف يخاطب صاحب السمو الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال اجتماعات دورتها الثانية والسبعين، حيث سيلقي خطابا بعد غد الثلاثاء، وهو الخطاب الخامس الذي يلقيه سموه أمام هذا المحفل الدولي.
شارك حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في سبتمبر 2013 باجتماعات الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى خطابا تاريخيا، وضع فيه المجتمع الدولي أمام مسؤولياته فيما يتعلق بالعديد من الإشكالات المتعلقة بالسلم والأمن والتحديات أمام الجهد المبذول لحل النزاعات بالطرق السلمية، كما ركز على ما تتطلع إليه شعوب العالم من مؤسسات المجتمع الدولي على صعيد طرح حلول لقضايا الفقر والجوع والتنمية المستدامة بما يتجاوز المؤتمرات والقرارات، ويتجاوز حتى الاهتمام ذا الطابع التضامني الضروري، وحملات النجدة التي يُدعَى إليها من حين لآخر، على أهميتها.
كانت تلك إشارة لها مغزاها، وتنبيه مبكر إلى ضرورة الاهتمام بمشكلات الفقر والجوع وما يمكن أن ينشأ عنها من تداعيات.
في العام التالي (2014) ألقى صاحب السمو كلمة أمام الجلسة الافتتاحية العامة للدورة التاسعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد فيها على ضرورة قيام المنظمة الدولية بكافة أجهزتها بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، عبر تفعيل الآليات والوسائل التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة، وسَبر الوسائل الكافية للحيلولة دون وقوع النزاعات ومعالجة جذورها، والعمل من أجل تسويتها بالطرق السلمية، ومن ذلك التركيز على الحوار المستند إلى مبدأ المساواة، والالتزام بأحكام القانون الدولي، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب.
في ذلك الخطاب تناول سموه ما تعانيه العديد من مناطق العالم بسبب ظاهرة الإرهاب تحت ذرائع وشعارات مختلفة تهدد أمن العالم واستقراره وتعرقل تحقيق التنمية المنشودة.
لقد حذر سموه في ذلك الخطاب من أن المجتمعات الأكثر تضررا هي المجتمعات التي نبتت فيها هذه النبتة الضارة التي تعادي التنوع والتعددية التي تغني المجتمعات. وفي حالة المجتمعات العربية والإسلامية المتضررة منه، يمس الإرهاب بالأبرياء، ويفقر مجتمعاتنا إذ يحاول أن يحرمها من التنوع الديني والإنساني، ويطمس المطالب الحقيقية العادلة للشعوب، كما أنه يسيء للدين بتفسيرات تكفيرية سطحية له.
وكان سموه، حفظه الله، من أوائل الداعين لمضاعفة الجهود من أجل محاربة هذه الظاهرة، أياً كان شكلها أو هدفها أو مصدرها، منبها إلى أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا من خلال بيئته الاجتماعية، وأنه لكي تقف المجتمعات معنا في مكافحة الإرهاب يجب أن ننصفها، وأن لا نخيرها بين الإرهاب والاستبداد، أو بين الإرهاب والتمييز الطائفي.. ولا يمكن أن تنجح الحرب على الإرهاب إلا إذا اقتنعت الشعوب أنها حربها وليست حربا من أجل تثبيت نظام يقمعها.
كانت تلك واحدة من أوضح الرؤى وأكثرها شجاعة، لم يكتف صاحب السمو خلالها بإدانة الإرهاب، بل حاول أن يقدم الوصفة الناجعة للقضاء عليه، ولو أن العالم استمع جيدا في ذلك الوقت، ربما كان تم إنقاذ أعداد هائلة من البشر قضوا بسبب الإرهاب، قبل أن تستفحل ظاهرته وتشتد وتتوحش.
في 2015 ألقى صاحب السمو خطابا هاما في الجلسة الافتتاحية العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة تناول فيه ظاهرة الإرهاب مرة أخرى، وحذر من عواقبها الوخيمة التي تضع تحديات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة أمام الدول والشعوب، موضحا أن مناطق التوتر والصراع قد ساهمت في نشوء المنظمات الإرهابية، كما ساهم تقاعس المجتمع الدولي عن التصدي لبؤر التوتر والصراع في تهيئة البيئة الراعية لتنفيذ العمليات الإرهابية.
في ذلك الخطاب الهام نبه سموه إلى أن الإرهاب ينتعش في ظروف اليأس وانسداد الأفق، وأنه لم ينشأ في منطقتنا في ظل سياسات تضمن للمواطنين العيش بكرامة وحرية، بل نشأ في ظل الاستبداد، وتغذّى على القمع والإذلال، وراكمَ الحقدَ والكراهية من التعذيب في السجون، واستفاد من فقدان الأمل من العمل السياسي السلمي.
كما أوضح أن سلوكَ القوى المؤثرة في المجتمع الدولي أصبح يشوّش تصورات الناس، بدلا من أن يساهم في توضيحها، إذ تُوصف ميليشياتٌ مسلحةٌ ترتكب جرائم بحق المدنيين والمؤسسات العامة بأنها إرهابية، وأخرى تمارس العنف والترويع ضد المدنيين، لكن لها ارتباطاتها بدول كبرى أو إقليمية لا تُعتبر إرهابية، لاعتبارات لا علاقة لها بالمجتمعات المحلية، بل بالدول العظمى والإقليمية، أو لأسباب متعلقة بتحالفات مرحلية، وهو أمر في غاية السوء والخطورة.
لقد أكد سموه التزام قطر بمكافحة الإرهاب، ولكن حتى في أقسى الظروف لا يجوز تجاهل الأسباب الكامنة وراءه، وإلا فسوف تكون النتيجة تفاقم الظاهرة وزيادة انتشارها، وهذا ما رأيناه لاحقا، بسبب إخفاق المجتمع الدولي، مرة أخرى، في التعامل مع جذور هذه المشكلة ومسبباتها.
في 2016 خاطب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين، وقد حذر في كلمته من أنه لم يعد ممكنا تجاهل الضعف في النظام القانوني والمؤسسي لمنظمة الأمم المتحدة، وعجزها في كثير من الحالات عن تطبيق معايير العدالة والإنصاف في آليات عملها.
وأشار سموه، مرة أخرى، إلى أن الإرهاب الذي نواجهه أصبح مصدر تهديد لشعوبنا وأوطاننا ومنجزاتنا الاقتصادية والاجتماعية، مما يستلزم تكثيف جهودنا في مكافحته، منوها في هذا الصدد بأن النجاح في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة ليس سهلا، لكنه أيضا ليس مستحيلا، إذا ما توافرت الإرادة السياسية من خلال معالجة الجذور الاجتماعية لهذه الظاهرة المقيتة وفهم الظروف المساعدة على تسويق أيديولوجيات متطرفة في بيئة اليأس وانسداد الآفاق.
لقد قدم صاحب السمو في خطابه رؤية في غاية الشفافية والموضوعية والوضوح، عندما شدد على ضرورة أن لا تقتصر محاربة الإرهاب على البعد الأمني الضروري بحد ذاته، بل تتعدى ذلك إلى إشاعة قيم التسامح وثقافة التعددية والحوار، مع الأخذ بعين الاعتبار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، الذي تكرسه الشرائع والمواثيق والأعراف الدولية.
جميع خطابات صاحب السمو تناولت موضوع الإرهاب، وكانت هذه القضية، القاسم المشترك فيها، ومن المؤسف أن المجتمع الدولي لم يتنبه مبكرا إلى تحذيرات قطر، ولم يقم بما يتعين أن يقوم به لجهة بحث أسباب هذه الظاهرة وتحليل مسبباتها بشكل علمي، بما يسمح بالقضاء عليها، واليوم عندما توجه دول الحصار الجائر سهام اتهاماتها وحقدها الأعمى، باتجاه قطر، بزعم دعم الإرهاب، لابد أن ندرك، ويدرك معنا المجتمع الدولي بأسره، أن قطر كانت من بين أوائل الدول التي وضعت هذه القضية على طاولة النقاش، وطالبت بإيجاد حلول جذرية لها، وأن كل ما تقوله دول الحصار وتحاول الترويج له، ليس سوى أكاذيب وافتراءات وأباطيل، هدفها النيل من سياسة قطر المستقلة، وسيادتها وأمنها ورفاه أبنائها، ولو أن المجتمع الدولي أعطى جزءًا يسيرا من وقته وجهده للتمعن في الخطاب القطري المناوئ للإرهاب، ربما ما كانت تفاقمت الأمور على النحو الذي نراه، والمؤسف أكثر أنه في حين كانت قطر تواجه الإرهاب وتحذر من آثاره، كانت دول الحصار غارقة في دعمه، عبر أكثر من طريق، وهو ما تكشف أخيرا بصورة لم يسبق لها مثيل.
بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري