كتاب وأراء

الانتصار على الحصار

الانتصار على الحصار

صمود وتكاتف وتلاحم وتآلف، هذه هي محصلة أيام الحصار الـ«100» التي طبعت حياتنا بمذاق آخر، عنوانه التحدي والإصرار، من أجل العبور بوطننا إلى آفاق أرحب، وكان لنا ما أردنا بفضل الله أولا ثم قائد مسيرتنا حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وهذا التآزر الرائع لشعبنا والتلاحم مع القيادة والوطن، والذي قل نظيره بين الأمم.
«100» يوم من الحصار وتأليب الرأي العام العربي والعالمي والتحريض على قطر وتأليف الأخبار والتزييف والتحريف والطعن في الأنساب والأعراض وقطع الأرحام، لكنها عندنا كانت «100» يوم مذهلة من الانتصارات والإنجازات والمكتسبات والوفاء والولاء والتطور والبناء، وكان آخرها الافتتاح الرسمي لميناء حمد، بوابتنا العظيمة لكسر الحصار، ووضع حجر الأساس لاستاد الثمامة أحد ملاعب مونديال 2022 أكبر وأهم حدث تستضيفه منطقة الشرق الأوسط وبوابتها نحو الرياضة العالمية.
خلال هذه الأيام المائة تتالت الانتصارات، حيث تم الإعلان عن زيادة إنتاج الغاز بنسبة ثلاثين في المائة، واستطعنا عبر منظمة «إيكاو» إجبار دول الحصار على فتح ممرات طوارئ، وواصلت الخطوط القطرية منجزاتها وحققت المزيد من الألقاب كأفضل شركة طيران وتم انتخاب رئيسها التنفيذي السيد أكبر الباكر رئيسا لمنظمة «أياتا»، وأوصلنا قضية الحصار إلى منظمة التجارة العالمية، وتحركنا قانونيا على أكثر من صعيد لدى المنظمات الأممية.
سنمضي في الطريق الذي رسمناه رغم الحصار الآثم، والمؤامرات الخبيثة، وخطط الأشرار الذين اعتقدوا أن في مقدورهم إجبار قطر على الركوع والخضوع والاستسلام، لكننا أثبتنا لهم وللعالم أجمع أن قطر لاتركع إلا لله ولا تخضع إلا لمشيئته، ولا تستسلم إلا لإرادته، فكان أعظم معين لنا في محنة ما أردناها ولا طلبناها ولا سعينا وراءها، لكنها تحولت إلى نعمة بفضل الله ثم عين ساهرة لاتنام وهي قيادتنا الرشيدة التي بذلت الغالي والنفيس لنواصل حياتنا بأمن وأمان واستقرار.
قبل الخامس من يونيو كانت قطر شبه جزيرة، تحدها الدول المحاصرة من ثلاث جهات وبعد هذا التاريخ وبالإصرار القطري والعزيمة الفولاذية أصبحنا على نقاط اتصال وتواصل مع بحار العالم، عبر البوابة الكبرى ميناء حمد الأحدث والأكثر تطورا في الشرق الأوسط، لذلك لن يضيرنا إغلاق طريق بري، أو مجال جوي فما صدمنا حقا حقد القلوب وليس ضيق الدروب!
فجر الرابع والعشرين من مايو 2017 استيقظنا على وقع حملةٍ إعلاميةٍ شديدةٍ قادتها وسائل إعلام إماراتية وسعودية نسبت تصريحات إلى صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مفبركة بصورة كاملة. بعد أن تم اختراق وكالة الأنباء القطرية بعد منتصف ليل الثلاثاء/ الأربعاء 23/ 24 مايو. وعلى مدى أسبوعين تقريبًا تناولت وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية قطر وسياستها، ووصل الهجوم حدًا خرج فيه حتى عن الأعراف والتقاليد العربية الخليجية.
وبأسلوب الصدمة أيضًا، وفيما يشبه إعلان حرب، أعلنت كلٌ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر صباح الخامس من يونيو قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، ومنع العبور في أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، ومنع مواطنيها من السفر إلى قطر، وإمهال المقيمين والزائرين من مواطنيها فترةً محددةً لمغادرتها، ومنع المواطنين القطريين من دخول أراضيها وإعطاء المقيمين والزائرين منهم مهلة أسبوعين للخروج.
اتخذ الهجوم الإعلامي الخليجي الأخير، وما استتبعه من قطعٍ للعلاقات الدبلوماسية، من سياسة قطر الخارجية ركيزةً أساسيةً لتحقيق أغراضه، وجاء على رأسها اتهامات لقطر بدعم الإرهاب، وتنمية علاقاتها مع إيران، وزعزعة استقرار دول مجلس التعاون، إلى غير ذلك من الاتهامات التي تسقط بسهولة أمام أي تحليلٍ موضوعي. فقطر هي حليفٌ فعالٌ في الحرب على الإرهاب، وهذا ما أكّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بصاحب السمو على هامش قمة الرياض. أما فيما يتصل بالعلاقة مع إيران، فمن نافل القول إن تعاملات قطر كانت الأقل، في حين حققت الإمارات أعلى العوائد نتيجة علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع إيران، حيث تُمثل الإمارات ما نسبته 80 في المائة من حجم التبادل التجاري الخليجي مع إيران، وتمثل المنفذ الأهم لتجارة الترانزيت الإيرانية، ومركزًا ماليًا مهمًا للتحويلات الإيرانية.
في لقاء جرى قبل ثلاثة أعوام، وجمع أعضاء الوفد التجاري الإماراتي بغرفة التجارة الإيرانية في طهران، صرّح سفير إيران لدى أبو ظبي محمد علي فياض أنّ الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات بلغ 15.7 مليار دولار في عام 2013، ونحو 17.8 مليار في عام 2012، و23 مليارًا في عام 2011، و20 مليارًا في عام 2010. لكن عام 2014 شهد قفزةً كبيرةً في حجم التبادل التجاري بين البلدين وأصبحت الإمارات أكبر الدول المصدّرة لإيران، إذ شكلت ما نسبته 27 في المائة من مجموع الواردات الإيرانية، وبلغ حجم التبادلات 41.620 مليار دولار (حجم الصادرات 19.639 مليار وحجم الواردات 21.981 مليار). وكانت الإمارات أهم الدول المصدرة للبضائع إلى إيران وتأتي بعدها الصين، فالهند، وكوريا الجنوبية، ثم تركيا. ومع ذلك، تحتفظ الإمارات بالخطاب السياسي الأكثر تصعيدًا ضد إيران.
سياسة الوجهين هذه لم تعرفها قطر، فمنذ العام «1995» وسياستنا الخارجية تتسم بالديناميكية والمرونة ومحاولة إيجاد علاقات متوازنة مع أكثر القوى الإقليمية والدولية. فبنت علاقاتٍ متينةً مع الولايات المتحدة الأميركية، واستضافت في «العُديد» إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، في الوقت الذي انفتحت فيه على القوى الإقليمية الأخرى، وعلى المبادرات والمؤتمرات الحوارية التي غدت جزءًا من أدوات السياسة الناعمة التي تستخدمها، وأطلقت ثورةً إعلاميةً عبر إنشاء قناة الجزيرة، وشرّعت من خلالها الباب أمام مناقشة قضايا كانت تعد «تابوهات» في الفضاء السياسي العربي المغلق. وعلى الصعيد الداخلي، اتسمت سياسة قطر بالانفتاح، فأولت قضايا المرأة اهتمامًا كبيرًا، وقامت بتطوير التعليم وفتح فروع للجامعات الأميركية والغربية، وفتحت المجال لقيادات إسلامية منفتحة كي تقوم بدورٍ مؤثرٍ في تجديد الخطاب الديني.
هذه هي قطر المحاصرة، وربما لكل تلك الأسباب أرادوا حصارها، فهي بقعة الضوء التي أرادوا إطفاءها، والنموذج الذي يريدون تدميره، والصوت الذين يسعون لإسكاته، لكن شيئا من ذلك لم ولن يتحقق، ولأن «الضربة التي لا تصيبك تقويك»، كما يقول المثل الشائع، فإن دول الحصار زادتنا قوة، فضربتها طائشة وطلقتها لم تصب الهدف بل ارتدت عليها وأصبحت هي من تعاني من حصارها، في الوقت الذي تفتحت فيه عيوننا على حقائق تجاهلناها طويلا وأصبحت اليوم محل الاهتمام والدعم اقتصاديا وصناعيا وزراعيا مما سينعكس ايجابيا على البلاد ومستقبل الأجيال.
صحونا يوم الخامس من يونيو، على مطامع وتآمر، وكان واضحا أنها محاولة مكشوفة من الإمارات والسعودية لفرض سياسة خارجية معينة تلتزم بها قطر خاصة فيما يتصل بالعلاقة مع مصر، والتي تتمتع كلٌ من الإمارات والسعودية بعلاقة متينة معها ومع نظامها الذي يمثل بالنسبة إليها سدًا منيعًا في وجه التغيير الذي يمكن أن تدفع به مجددًا قوى الشباب العربي. كما يبدو أن هذه الحملة تحظى بدعمٍ كبيرٍ من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، والذي كشفت التسريبات الأخيرة للبريد الإلكتروني للسفير الإماراتي في واشنطن عن حجم التنسيق بينه وبين أنصار إسرائيل في واشنطن لتشويه صورة قطر وتقديمها كدولة راعية للإرهاب.
كل ماقدمته دول الحصار، وفي مقدمتها إمارة الشر والسوء أبوظبي، كان فبركات وأكاذيب وافتراءات، لذلك اصطف العالم بأسره معنا، وكان لافتا أن الذين انضموا لتحالف الشر كانوا بضع جزر تحت الضغط زادتها تشاد بدلا من السنغال التي عادت لجادة الصواب.
حملة الافتراءات هذه لعزل قطر كان هدفها إحداث تغيير ملموس في بنية السياسة القطرية، وإجبارها على التحول من مربع الانفتاح على الربيع العربي إلى خندق الثورة المضادة كمرحلة أولى، ثم إلى خندق مشروع القرن الذائع الصيت لتصفية القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة إسرائيليا في مرحلة أكثر تقدماً.
لم يكن التصعيد وليد لحظة فهو أخذ سنوات وإن كان دخل مراحله المتقدمة بمجرد انفضاض القمة الإسلامية الأميركية التي شهدتها الرياض، وهو ينم عن جهل سياسي بقدرات قطر وتماسك شعبها وقيادتها وتمسكها بمبادئ لن تحيد عنها، وجهل أيضا بموازين القوى والأبعاد الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وغياب الاستيعاب الدقيق لطبيعة التحالفات والمصالح والمتغيرات والثوابت، لكن ضيق أفق دول الحصار وافتقادها للمهارة السياسية وللمواقف الأخلاقية، كل ذلك أوقعها في شر أعمالها، فبدت متخبطة عاجزة بعد أن اعتقدت بأن مافعلته يوم الخامس من يونيو سوف ينجح في كسر إرادتنا ويعجل باستسلامنا.
بعد «100» يوم من الحصار نحن الأكثر قوة وصمودا وتكاتفا، وهم الأكثر ضعفا وحيرة ويأسا، لذلك لجأوا إلى الأكاذيب والافتراءات وقطع الأرحام وتشتيت الأسر، وطرد الطلاب، ومنع الحجاج والمعتمرين، وهي سابقة سيذكرها التاريخ بحروف سوداء في ملف السعودية، التي استسلمت لأبوظبي وسلمتها رقبتها وجعلت مصيرها وسياستها بيدها!
وإذا كان هناك نجاح لابد من الاعتراف به لدول الحصار فهو ما عبر عنه سفير إسرائيل في واشنطن بقوله إن الأزمة الخليجية الراهنة تشير إلى «خط جديد رُسِمَ في رمال الشرق الأوسط،أصبحنا مع العرب ضد قطر»!!
يكفيهم عارا أنهم تحولوا حلفاء لإسرائيل، ويكفينا شرفا هذا الالتفاف الشعبي العربي حولنا.
يكفيهم خزيا أنهم يخططون لغزو قطر عسكريا بلا أخلاق أو مروءة أو دم، ويكفينا فخرا أننا ندافع عن المستضعفين من العرب والمسلمين ونغيث المنكوبين واللاجئين وننشر السلام والوئام.. والعمل والعلم.. في العالم.
يكفيهم إنتاج فيلم أو شيلة أو أوبريت يتهجّم على قطر ويسيء لها، ويكفينا افتتاح المصانع والمستشفيات والملاعب والموانئ، فرؤيتهم تقوم على الأغاني وحفلات الردح ورؤيتنا على الإعمار والتحدي والانتصار. .
فهذه هي قطر بعد «100» يوم من الحصار.
بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري