كتاب وأراء

سلفيات متنازعة يجمعها «جذر سلفي» مشترك

قانون التغير والاختلاف، يحكم الحياة والفكر، والمدرسة السلفية التي تمسكت بالنص الديني، وفقاً لفهم السلف الصالح، ووقفت في وجه التغيير، بقوة، رافضة أي تطوير أو تحديث، سرى عليها قانون التغير والاختلاف كغيرها من المدارس والتيارات الفكرية والدينية والسياسية، فمن رحم المدرسة السلفية التقليدية، تولدت، أربع سلفيات مختلفة ومتنازعة هي:
1 -السلفية التقليدية: وهي ما عليه معظم رجال المؤسسات الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية، من الاهتمام بالجانب الديني والدعوي والعقائدي، والحرص على عدم الخوض في الأمور السياسية، وتحريم التنظيمات السياسية المعارضة، ونزع الشرعية عن كل من يحاول منازعة ولاة الأمر، تنشغل المدرسة السلفية التقليدية بمهام الدعوة والفتوى والقضاء والتعليم وطباعة ونشر كتب التراث السلفي، خاصة كتب أئمة السلفية: ابن تيمية، ابن حَنْبَل، ابن عبدالوهاب، والتركيز على التوحيد والعقيدة، والرد على الفرق الأخرى، وأبرز ممثليها في عصرنا: بن باز، العثيمين، الألباني.
2 -السلفية السياسية الحركية (الصحوية) وتسمى أيضاً بـ«السرورية»: ظهر هذا التيار في الثمانينيّات، واشتهر،إبان حرب الخليج 1990، إثر إعلانه عدم جواز الاستعانة بالقوات العربية لتحرير الكويت، نتج هذا التيار بالتزاوج بين العقيدة السلفية (المحلية) وفكر الإسلام السياسي (الوافد) كمحصلة طبيعية للنشاط الدعوي السياسي الممتد، لجماعة الإخوان الهاربين، الذين احتضنتهم السعودية، من الستينيات إلى الثمانينيات، ووفرت لهم الملاذ الآمن من بطش السلطات في مصر والعراق وسورية، وأطلقت يدهم في الشأن التعليمي والإعلامي، لقد كان أبرز وأنشط الوافدين الجدد، من جماعة الإخوان السورية،محمد سرور بن نايف زين العابدين، جاء إلى السعودية 1965، بعد نكبة إخوان سورية، وساهم مع القيادات الإخوانية الوافدة في وضع المناهج التعليمية، وفِي الأنشطة الدعوية والثقافية، وعمل مدرسا للرياضيات والدين في حائل والبريدة، حتى أمرته السلطات بالمغادرة 1973 فذهب إلى الكويت، ثم استقر به المقام في لندن، حيث أسس المنتدى الإسلامي، وأطلق مجلة السنة منبراً إعلامياً لهذا التيار، وأصدر كتاب وجاء دور المجوس وتوفي بالدوحة 11-11-2016، السرورية: خلطة هجينة من سلفية تيمية بثورية قطبية بحركية إخوانية، وأبرز شيوخ الصحوة: العودة، العمر، الحوالي
وعلى خلاف السلفية التقليدية التي تنبذ العمل السياسي، انطلاقاً من البيعة التاريخية لتقاسم السلطتين: السياسية والدينية، فإن السلفية الصحوية، ترفض هذا التقسيم، ولا ترى لزوم الطاعة، وتنادي بالإصلاح السياسي وحقوق الإنسان والحريات، ورغم المشتركات الكثيرة التي تجمع الصحويين، فإن السرورية، الأقرب إلى (القطبية).
3 - السلفية الجامية: تنسب إلى محمد بن آمان الجامي، جاء من الحبشة، واستقر في السعودية منذ السبعينيات، ودرس فيها، وأصبح مدرساً في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة، والمسجد النبوي.
وإذا كانت السرورية تقع على يسار السلفية التقليدية فإن الجامية تقع على يمينها، وتعد النقيض الديني والفكري للسرورية، وأشد خصومها، وقد اشتهرت الجامية بالتعصب للسلفية التقليدية والتأكيد على طاعة الحاكم، كونها من أصول العقيدة، واتخاذ مواقف متشددة من التيار الصحوي، بوصفه انحرافاً عن ثوابت العمل السلفي، ومن المعارضة والأحزاب السياسية الدينية، بوصفها بدعاً وضلالة، طبقاً للدكتور محمد أبو رمان، في كتابه المرجعي الفذ الصراع على السلفية -الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
4 - السلفية الجهادية: تعد السلفية الجهادية، نقيضاً دينياً وفكرياً للسلفية التقليدية الرسمية، فإذا كانت السلفية التقليدية، تحرم الخروج على الحاكم، وتوجب الطاعة له، فإن السلفية الجهادية والتي زاوجت بين العقيدة الدينية السلفية، وعقيدة الجهاد، ترى وجوب الخروج المسلح على النظام الحاكم والمجتمع الخاضع له، ومحاربة القوى الدولية الداعمة له، وترى ذلك (جهاداً) واجباً، ولو أدى إلى تفجير النفس في المدنيين الأبرياء في الأسواق والمجمعات والمطاعم والفنادق ومحطات القطارات والحافلات، بل حتى في المصلين في المساجد، تركز السلفية الجهادية على مفهوم الحاكمية تأثراً بأفكار قطب والمودودي، والجهاد وسيلة ضرورية لإسقاط الأنظمة، وفرض الشريعة، وإقامة دولة الخلافة، وقد انقسمت السلفية الجهادية، اليوم، إلى تنظيمين متحاربين القاعدة وداعش
ختاماً: السلفيات المعاصرة، وإن اختلفت وتنازعت، لكن يجمعها جذر سلفي مشترك هو:
1 - العقيدة السلفية، 2 - النص قبل العقل، 3 -العداء للآخر، 4 - رفض الحداثة.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري