كتاب وأراء

كينياتا.. المعركة تدار هكذا!

حيث كان القضاء مستقلا، في أي دولة، كان رد المظالم.. وكان الاحترام.
الكينيون الذين احتشدوا أمام المحكمة العليا، في كينيا، قبل يومين، فركوا عيونهم، وهم ينصتون إلى قرار المحكمة: نتائج الانتخابات الرئاسية التي حملت الرئيس اوهورو كينياتا إلى ولاية جديدة باطلة. إنها مخالفة للدستور، ورغم ذلك شابتها مخالفات كثيرة.
هُم- أولئك الذين فركوا أعينهم- تيقنوا انهم لم يكونوا في سبات حالم. للفرحة المدوية أكثر من تعبير.. وكان أن رقصت الحشود، وتعالت الهتافات، وارتسمت علامات النصر في الأصابع، وانطلقت المسيرات: رايلا اودينغا.. رايلا اودينغا.. ولم يكن اودينغا سوى غريم كينياتا في السباق إلى الكرسي الساحر.
قليل من القضاة في إفريقيا، من يترجم مقولة لا كبير على القانون. أحد هؤلاء القليل، القاضي جهير الحلقوم ديفيد ماراغا، الذي لم يتعثر لسانه- إذ هو ينطق الحكم- ضد الرجل الرئيس.. الرجل الذي هو ابن كينياتا الذي قاد ثورة الماوماو ضد الإنجليز، وتوج ثورته بالاستقلال المجيد!
ما حدث في كينيا يؤرخ لتاريخ جديد: إنها المرة الأولى في إفريقيا التي تبطل فيها محكمة عليا نتيجة انتخابات رئاسية.. انتخابات فاز فيها الرئيس!
مارغا، لم يكتف بإعلان بطلان الانتخابات. هاجم اللجنة الانتخابية: لم تكن منصفة. كانت منحازة. كل اعضائها كان يجب ان يكونوا في السجن!
الرئيس المنتهية ولايته- كينياتا- قال بفم يابس: إنني أحترم قرار المحكمة.. لكنه بعد وقت بل الفم اليابس بقنينة مياه، وهاجم المحكمة، وهو يخاطب ممثلي حزبه، من على الكرسي الساحر: مارغا يظن انه يستطيع تغيير الإرادة الشعبية. هذه الإرادة لا يمكن ان يغيرها بضعة قضاة!
كان فمه قد عاد يتيبس من القرار المفاجئ، حين أردف: الروب الاسود الذي يرتديه ماراغا والخمسة الآخرون، جعلهم يظنون أنهم أذكى من بقية الكينيين!
قال كينياتا ما قال بالفم اليابس، قبل أن يعلن رفضه مطالب المعارضة بتبديل اللجنة الانتخابية!
لم أكن إلى جانب القاضي مارغا، وهو يبتسم في سخرية من حديث الرئيس، لكن هذا لم يمنعني من ان أرخي أذني إلى الجملة التي كانت تحوم في سره في تلك اللحظة. كانت الجملة تقول: أوكي. سوف ترى يا أوهورو!
كلام أوهورو اغضب القضاء الواقف. قال نقيب هذا القضاء اسحق اوكيرو: هذا تهديد غير مقبول. هذا تهديد غير لائق من رئيس كان ضد المؤسسة العدلية!
قضاء جالس، وقضاء واقف.. والاثنان معا أصبحا في معركة ضد رئيس فاز بالتزوير!
اوهورو، لو أنا كنتك، لكنت أدرتُ معركة بطلان فوزك بطريقة أخرى. كنتُ أدرتها بطريقة: شكرا للمحكمة العليا. لو لم أكن رئيسا ما كان القضاة قد اكتسبوا كل هذه الشجاعة. أنا من أسس للقضاء المستقل في هذا الوطن. قرار المحكة العليا هو ثمرة من ثمار حكمي في بناء دولة المؤسسات.. عاش قضاؤنا حرا مستقلا.. وعاشت كينيا.

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار