كتاب وأراء

مقاصد العبادة

من أبرز سلبياتنا أننا- إلا من رحم ربي- لا نحرص على الاستفادة من مقصد العبادة، قدر حرصنا على مجرد أدائها، الأمر الذي حول العبادات في كثير من الأحيان إلى مجرد طقوس شكلية، فالصوم مثلا غايته، كما يقول العلماء هي التقوى، وذلك استنباطا من الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، ولعل من أهم المقاصد العصرية لأداء فريضة الحج، إضافة إلى وحدة الأمة الإسلامية التي أصبحت سرابا نطارده منذ قرون ولا نصل إليه، هو النهي عن الجدال، حيث يقول الله عز وجل: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ». وهو مقصد ودرس لو تعلمه الحجيج ومارسوه وسعوا إلى تعليمه غيرهم من الناس، لأنقذوا العالمين العربي والإسلامي من خطر وشفير هاوية يكاد ينزلق إليها الجميع. كما أن كمال العبودية والانقياد لله والاستجابة لأوامره القطعية، هي أيضا من المقاصد الأساسية لفريضة الحج، وفي هذا يقول الفقيه المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني في دراسة عن مقاصد الحج والعمرة «إن العبد يبلغ في عبادات الحج أقصى درجات التعبد والعبودية، حتى إنه ليأتي أفعالا وتصرفات لا يعقل لها معنى ولا يدرك لها مغزى، سوى أن الله تعالى أمره بها، فهو يمتثل أمر ربه تعبدا وعبودية. يقول الإمام الغزالي مقارنا عبادات الحج مع غيرها من العبادات:..وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية؛ فإن الزكاة إنفاق، ووجه مفهوم وللعقل إليه ميل. والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل. والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع، وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل، فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس بها ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط (...) فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد (...) وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات. إن العبادات في الإسلام ليست مجرد أداء لحركات وطقوس أو إنفاق لأموال أو حرمان للنفس. إننا بحاجة إلى إعادة فهم لقيمة العبادات ومقاصدها لنكون بحق خير أمة أخرجت للناس.
بقلم:محمود عيسى

محمود عيسى