كتاب وأراء

إدلب الخضراء وسيناريوهات سود

معركة إدلب آتية لا محالة ومصير هذه المدينة على الأرجح سيكون كمصير الرقة السورية أو الموصل العراقية، ما يعني تعريضها للدمار والخراب وتشريد أهلها وسكانها بعدما رسم لها صورة سوداء بأنها المعقل الاكبر لتنظيم «القاعدة» في العالم.
كثر في الداخل السوري وخارجه يتسابقون للنيل من هذه المدينة التي كانت أولى المحافظات السورية التي خرجت من قبضة النظام السوري قبل ست سنوات. المقاتلون الأكراد الذين يتلقون أوامرهم من جبال قنديل، لا يخفون لهفتهم للسيطرة على هذه المحافظة من أجل وصل القطاعات التي يسيطر عليها جناحهم العسكري في شرق الفرات بتلك التي في غربه، وصولا إلى تحقيق حلمهم باقامة دويلة كردية تمتد من القامشلي شرقا إلى جبل التركمان غربا وإيجاد نافذة لها على البحر المتوسط. وهذا السيناريو يلاقي صدى في واشنطن بحجة محاربة الإرهاب والقضاء على تنظيم «القاعدة»، وهي قدمت ولاتزال الدعم الكبير لحلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» وعمادها الاكراد لينفذوا حربا بالوكالة عنها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في الرقة وغيرها. لذا تسعى الإدارة الاميركية إلى التفاهم مع موسكو من أجل اعتماد هذا الخيار حلا لمسألة ادلب.
لكن ادلب ليست الرقة بالنسبة إلى اللاعب التركي على الارض السورية، ذلك ان الحدود الشمالية لهذه المحافظة هي الحدود الجنوبية لتركيا، ووقوف أنقرة متفرجة يعني إطلاق الضوء الاخضر لخصومها الألداء الاكراد، لتنفيذ حلمهم بالاستقلال وتفشي هذا الحلم بين أكرادها. لذا، فانها لن تسكت على توسيع الكيان الكردي ولو اقتضى الأمر خوضها عملية «درع فرات جديدة». ولأنها تدرك مخاطر العمل العسكري في إدلب وكلفته الباهظة فانها لم تعدم وسيلة لا مع الروس ولا مع الإيرانيين من أجل تقديم سيناريوهات سياسية وعسكرية وإدارية بديلة تجهض الخطة الكردية والدعم الأميركي لها.
وأي خطة بديلة يتعين ان تحظى بموافقة ثنائية من اللاعبين الدوليين الكبار، أي واشنطن وموسكو، وبما أن موافقة الأميركيين غير مضمونة، فان موافقة الروس ايضا غير مضمونة، كونهم ينظرون دوماً إلى الأميركيين في كل ما يفعلونه في سوريا، ويفضلون التنسيق العسكري معهم، مثلما فعلوا في اتفاق وقف النار في المنطقة الجنوبية. وموسكو، صاحبة القوة العسكرية الاكبر في سوريا، تقف بين خيارين: الأول، إقناع واشنطن بتشكيل تحالف جديد لقتال «النصرة» يضم حليفيها السوري والإيراني، الثاني العمل مع الاتراك لدعم فصائل في «الجيش الحر» في ادلب تحت غطاء مدفعي تركي وجوي روسي. وهذا شرطه الموافقة الإيرانية على هذا الشرط. بيد ان طهران ليست على عجلة من أمرها بعدما أقفلت ملفي قريتي الفوعة وكفريا الشيعتين في ريف ادلب بموجب اتفاق المدن الاربع. وهي تفضل ايلاء الجيش السوري والميليشيات الموالية لها أمر مهمة ادلب عندما يحين الميعاد. في حين تبحث دمشق عن مقاربة تستعيد بموجبها المحافظة التائهة بأرخص الأثمان على ان تكون لها الكلمة العليا في تدبير شؤونها لاحقا بعد محاصرة «القاعدة» في بقعة جغرافية محدودة المساحة.
اما واشنطن فهي من جهة لا تحبذ تحالفا عسكريا مع الروس، ومن جهة أخرى تشكك في قدرة الاتراك على قتال «القاعدة» وتفضل الاعتماد على خصومهم الاكراد، وتدرك في الوقت نفسه محدودية خياراتها العسكرية والسياسية غرب نهر الفرات، لذا تنتظر مع المنتظرين مخرجا لمعركة باتت ملحة مع من أدخلتهم في عداد قائمة الإرهاب.
أما أهل ادلب والنازحون إليها من كل الاصقاع السورية فما عليهم إلا الصبر والسلوان لمعرفة أي مصير اسود ينتظرهم في ادلب الخضراء وسط ازدحام السيناريوهات والتعقيدات الدولية والاقليمية.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية