كتاب وأراء

أمين قمورية..جنون العظمة النووي

كوريا الشمالية دولة لا تشبه إلا نفسها.. ويخال لزائر هذا البلد أنه يعيش في ثكنة عسكرية كبيرة، ذلك أن شخصية سكانه وطباعهم تبلورت في أتون الحرب الكورية الرهيبة التي دمرت شبه الجزيرة بأكملها وقتلت الملايين من أهلها.. وقبل ذلك كان هناك الاستعمار الياباني الرهيب الذي لم يرحم أهلها.. وبسبب ذلك قرر الكوريون في الشمال أن بلادهم لن تخضع لأي غريب بعد الآن، ووضع نظامهم التوتاليتاري الذي تعاقبت عليه ذرية قائدهم كيم ايل سونغ من بعده، السلاح والتسلح في صدارات أولويتهم فكانت الراجمات الكورية التي اشتهرت باسمهم وأرعبت العالم، صار اليورانيوم قبل الخبز أحياناً في سعي النظام الحثيث في امتلاك القنبلة النووية وكذلك الصاروخ القادر إلى إيصالها إلى الهدف.
نجح النظام الكوري في امتلاك القنبلة النووية بدعم مبطن من جارته الصين.. وهم يعتقدون أن سر نجاح عدوهم الأول الأميركي في قهر خصومهم، كان يكمن في ضعف هذا الخصم وتردده.. لقد خشي صدام حسين قصف القواعد الأميركية في الخليج والبحر المتوسط، فكانت النتيجة أنه أعدم في المحصلة ودمر العراق، ووافق معمر القذافي على نزع سلاحه المدمر تحت التهديد ومع ذلك دخلوا بلاده وقتلوه.. لذا يقولون إن قنبلتهم النووية وإصرارهم على التحدي حتى النهاية هما بطاقة التأمين الفعلية لمنع أعدائهم من إسقاط دولتهم ونظامهم.
لكن السلاح النووي سيف ذو حدين، يحميك وفي الوقت عينه يكتل الخصوم والخائفين منك، ضدك.. لذا أطلقت بيونغ يانغ نوعاً جديداً من الحروب هي مزيج من حروب الاستنزاف والحرب المحدودة والحرب الإعلامية، أي أنها الحرب التي توحي بإنزال خسائر كبيرة بالعدو، لكنها تغضب الخصم ولا تقتله.. هي حرب استنزاف من دون حرب.. كوريا تحاول أن تفرض إرادتها على أميركا، وترسل رسالة قوية لبعض جيرانها بأن ما تدفعه من ثمن في حربها الاستنزافية مع واشنطن يتناسب مع ما ستحققه من مكاسب.
هذه اللعبة الجهنمية نجحت حتى الآن في إطالة عمر النظام في وقت تهاوى كل نظرائه في العالم، ونجحت أيضاً في سد كل الثغرات الداخلية التي يمكن أن يتسرب منها الخصوم إلى الداخل.. لكنها نجحت في الأساس لأن أميركا، الدولة الأكبر في العالم والتي أوكلت إلى نفسها تدبير الأمور السياسية للبشرية، انشغلت عن القضية الكورية بقضايا أخرى، أو لأنها ترددت، أو لأن سيد البيت الأبيض لا يريد أن يتورط في حرب جديدة مكلفة.. ونجحت كذلك لأن الصين الضامنة لبيونغ يانغ، لجمت الكوريين من تجاوز حافة الهاوية التي وصلوا إليها، ووظفت هذه القضية بحكمة في سياستها الخارجية وكسب الوقت لأنها كانت «تمون» على القابض على الزعامة الكورية.
الآن السيناريو تبدل.. صحيح أن خيار الحل الدبلوماسي وإيجاد مخرج سلمي للازمة لايزال مطروحاً على طاولة التفاوض.. بيد أننا دخلنا أخيراً في مرحلة جديدة وخطيرة في مسار مزعج للغاية، ومن حق العالم أن يخاف عندما يكون مصير الأمن العالمي مرتبطاً بتهديدات دونالد ترامب من جهة وصواريخ كيم جونغ اون من الجهة الأخرى.. إنه الخطر الذي يمكن أن يشكله التهور في القيادة، وخصوصاً إذا كان بين يدي هذه القيادة زر نووي، مثل الزر الذي بين يدي ترامب، أو إذا كانت تقف فوق ترسانة ولو صغيرة من الرؤوس النووية، مثلما هي حال كوريا الشمالية.. وتزاد هذه المخاوف عندما سمعنا التهديد الذي أطلقه الرئيس الأميركي حول «النار والغضب» اللذين سيواجه بهما كوريا الشمالية، إذا وجهت تهديدات جديدة بالهجوم على الولايات المتحدة.. وفي الواقع أننا عالقون بين رجلين، كل منهما أكثر تهوراً من الآخر.. ترامب الذي يريد أن يثبت أنه الرئيس الأميركي الوحيد القادر على أن يلقن بيونغ يانغ درساً في عدم تهديد أميركا، بعدما فشل أسلافه في ذلك كما يقول.. وكيم الذي يقصف معارضيه داخل قاعات المؤتمرات بالمدافع ويعتبر أن صواريخه هي الوحيدة القادرة على حماية النظام الذي ورثه.. في حين أن «المونة» الصينية قد ضعفت على ما يبدو في بيونغ يانغ. ومشكلة الرجلين أن درجة التهديد والتصعيد بلغت حداً صار من الصعب التراجع عنه بالنسبة إلى أي منهما، والطامة الكبرى مع النووي أن الخطأ الأول سيكون الخطر الأخير.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية