كتاب وأراء

فاطمة مضت لترتاح (2)

ظلت تدعو الله ألا تموت قبل...
لكنها ماتت.
.. ولا يزال الحديث عن فاطمة أحمد إبراهيم، التي ستوارى الثرى اليوم في الخرطوم، في مراسم جنازة رسمية، بأمر من الرئيس البشير.. وفي مراسم شعبية من كل أحبابها الذين يعرفون أفضالها، ومنهم أولئك الذين كانت تدعو الله ألا تموت، قبل أن تعيد إليهم كرامتهم، تلك التي أهدرتها السلطة- أي سلطة- بسياساتها الاجتماعية الخائبة، ولامبالاة المدينة، ولا مبالاة سكانها.
من غيرهم.. أطفال الشوارع، أولئك الذين يأكلون من الزبالات، وينومون في المجاري، لا فراش إلا أوراق الصحف العقيمة، ولا غطاء، ولا من لمسة دافئة، حنينة.
ما كانت تدعو رب الناس، أن تحققه قبل موتها، كانت قد كشفت عنه خلال حلقة معها من حلقات «أسماء في حياتنا»، البرنامج التليفزيوني، الذي يسجل مع الأسماء الكبيرة، أهم المحطات في تاريخها، سواء كانت هذه الأسماء سياسية، أو ثقافية أو رياضية أو فنية.
يوم ذاك، بكت فاطمة، على الهواء، وخنقتها عبرات.. وبكى عمر الجزلي، مقدم البرنامج، واعتذر عن إكمال الحلقة، وذرف المشاهدون دموعاً، واستذكر في تلك اللحظات الأطفال المهملون، أمهاتهم، غير أنهم أحسوا بنوع من دفء أحضانهن، وهم يشاهدون لأول مرة امرأة تبكي حالهم.. تبكيهم وتستبكي.
آه يا فاطنة.. يايمة..
طفرت تلك الجملة.. فيما أتخيل، من أكثرهم، وهم وقوف بعيدون، يرمون عيونهم الكليلة لتلك الشاشات الصغيرة، التي تنتشر في باحات الأندية.
آه يمة.. يمة..
... وتهطل دموع.
كانت فاطمة تقول: والله حين أتذكرهم أكره سريري.. وأكره الغطاء.. وأكره البيت، و.... خنقتها عبرة.. خنقتها عبرات.
فاطمة، تلك امرأة لتمنى ألا تسد رمقاً وجارها جائع. لتتمنى ألا تكسوها «مزعة» ثوب وغيرها عار.. لتتمنى ألا تبيت على فراش وغيرها من أطفال الشوارع، هم هكذا: لا بيت إلا هذه الشوارع، ولا فراش إلا الأرض، ولا غطاء إلا هذا الفراغ.. وإلا هذا الفراغ في القلوب.. وهذا الخواء الذي فيها من أي ذرة من انتباهة، ومن مروءة، ومن أي ذرة من محاولة انتشال، ومن فهم إيماني بإمكانية تبدل الأحوال والمصائر، وأن الذي قد حاق بغيرك يمكن أن يصيبك أنت، أو يصيب ذريتك، أو تجده في صحتك أو مالك، أو راحلتك!
ماتت فاطمة..
أتخيلها في سكرات الموت، تدعو أن يسخر الله من عباده الطيبين، ما يحقق لها- وهي في البرزخ- ما كانت تترجاه في الدنيا: أن تلم أطفال الشوارع.. تعيد إليهم كرامتهم التي أهدرتها السياسات الصفيقة، وأهدرتها اللامبالاة، وكل هذا الخواء في القلوب والضمائر.
حين يُضيّع الإنسان- أي إنسان- كرامة إنسان آخر، يضيع في ذات اللحظة، كرامته..
ما أفشل الدولة التي تُضيُع كرامة إنسانها..
أتخيل، جنازة فاطمة اليوم، تحفها الدعوات الصالحات.. ويحفها عن يمينها وعن يسارها ووراءها، أطفال الشوارع: آه يايمة.. آه يا فاطنة.
أتخيلها، وهم- أهل الواجب- ينزلونها خفيفة إلى القبر، يسمعون منها: أمنيتي في ذمتكم. لموا أطفال الشوارع.. لموهم.. لن تعودوا منزوعي الكرامة!
فاطنة: وصيتك ع العين والراس.. ارقدي أيتها الإنسانة الإنسانة، في سلام.

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار