كتاب وأراء

الإنسان والأوطان

الإنسان، هو من كرمه الله على كثير من المخلوقات، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) «الإسراء 70»، وأسجد له ملائكته الكرام، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) «34 البقرة».
المفروض أن كل السياسات، والاقتصادات، والمشروعات، والاجتماعيات، والاتفاقات، والعلاقات والرياضات، والاكتشافات، والفنون، والابداعات، والترفيهيات، جميعها هدفها الإنسان.. أي إنسان.
هدفها الحفاظ على كرامة البشر، وحرياتهم، وعقولهم، وأمنهم، وتوفير مطعمهم وملبسهم، فالإنسان هو الوطن، ولا وطن بلا إنسان.
قل لي.. ما هي قيمة أي بناء، مهما بلغت تكلفته المادية، ومهما وصلت ضخامته المعمارية، وقدراته التقنية، إذا خلا من الإنسان؟، أو اذا لم يكن مسخرا للبشر، الذين سخر الله لهم ما في الكون جميعا؟!. فملوك الفراعنة الذين بنوا الاهرامات التي خلدها التاريخ، بنوها كبشر من أجل البشر، حسب معتقدهم بالنسبة للحياة الآخرة.
قل لي أيضا.. ما هي قيمة أي كشف علمي، ما لم يكن سيصب، في النهاية لصالح بني آدم، تطبيبا أو تعليما، أو تسهيلا لممارسة الأعمال الشاقة، التي يضطلع بها البعض، ففي النهاية لابد ان يستفيد الإنسان.. أي إنسان. فاذا كانت الابتكارات والمكتشفات العلمية محترمة ومقدرة لذاتها، وليس بما تقدمه من خير للبشر، لتساوت ولربما تفوقت، القنبلة الذرية، على أجهزة الغسيل الكلوي مثلا.
ايضا لابد من السؤال.. ماذا يرتجى، من أي إبداع أدبي أو فني، ان لم يؤد في النهاية، إلى الارتقاء بالإنسان، أو التعبير عن مشاعره وما يعتمل في وجدانه وعقله، أو يعبر عن مكبوتاته، أو حتى يرفه عن ضوائقه واختناقاته؟، اذ لا يعد مثقفا حقيقيا، من ينفصل إبداعه عن البشر، أو يسهم برؤاه غير السوية، في أي انتهاك أو انتقاص من قدر الإنسان.. ايضا أي إنسان.
بل ان الاوطان نفسها، لا قيمة لها، ولا بقاء في تقديري، إلا بالإنسان، فالمكلف بعمار الكون المكون من عدة أوطان، هو الإنسان، وليس أي كائن آخر، مما خلق الله.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى