كتاب وأراء

د. مادبو.. وذلك النبع البعيد!

لم أحمل على مهنتي يوما، لكن الجمعة الماضية حملتُ عليها، وقد غيبتني عن فعالية تدشين كتاب مهم حمل عنوان «نفحات الدرت» للكاتب السوداني د. وليد مادبو.
في معظم الأحايين، تحرمك مهنة الصحافة- تلك التي تأخذ وقتك ولا تُبالي- من نعمة الوفاء لكل ما هو جميل وأنيق، في هذه الدنيا.
في يقيني أنني قلت ضمنيا- انطلاقا من ذلك- بأن مهنتي، فوتت على أن ألتقي بالجمال والاناقة، ممثلة في دكتور مادبو، حين يتحدث أو يسامر أو يبتسم، أو يسرح بخياله الشرود، في عوالم أخرى: عوالم شكلت جانبا من روحه وذهنه وتكوينه الوجداني السليم.. وممثلة فيه، حين تأخذك كلك- روحك وعقلك وخيالك ووجدانك- كتاباته العميقة، المدهشة، وتحلق بك في دنياوات من المتعة، والأسئلة الكبرى، والتفكر في هذا الوجود، بكل ما فيه من مصائر سهلة، وصعبة.. وبكل ما فيه من جمال.
.... وسمر سُّمار الكتابة والقراءة، امسية الجمعة في نادي الجسرة- مع د. الوليد وكتابة، فيما ظللتُ أنا احمل -بينى وبين نفسى- على مهنتي، وأتفلت منها- أحيانا- بكلياتي، إلى حيث السُّمار، ولسان حالي يقول: ليتني لو كنتُ حيث هم، وثمار العقل والروح «نحات» والوقت «درت».. والدرت في العامية الفصيحة السودانية عند اهلينا في بادية كردفان، هو الوقت من العام الذي تكثر فيه البهائم در اللبن!
فى زمان التواصل الاجتماعي، عبر مواقعه الشهيرة- لئن حرمك ظرف عن فعالية، فلن يحرمك الأصدقاء بنقرات أصابعهم على لوحات مفاتيح الأجهزة الذكية، عن نعمة الحضور بأثر رجعي.
لم يحرموني.انتهت الفعالية، غير أني - بعد وقت- كنتُ فيها، اقتطف ثمارها العجيبة، وأنا افتتح الرسائل في الواتس، تلك التي غمرني بها الأصدقاء من كل جنس ولون.. ومكان!
د. وليد- وهو بالمناسبة خبر أممي- يعترف:«حرصت أن أعرض «النفحات» كا وردت، وتواردت.. فالنفس البشرية لا تتبع وتيرة واحدة في الورود.. ولا تتبع نمطا واحدا في التعبير، فتارة تعتريك حالة شعرية.. وتارة تعتريك سمة تقريرية، وتارة يستعصي كل ذلك فتهيمن عليك وجدانية صوفية تجعلك تمسك بالقلم فقط، اما الايحاء فمصدره العقل الفعال الذي لا ينفعل إلا إذا سمت روح صاحبه، وحلقت تحت سدرة المنتهى»!
لا منتهى للأسئلة، و«نفحات الدرت» هي كل ذلك.. وهي ليست كل ذلك، فحسب. لا منتهى، والعقل- عقلي وعقلك- بين نثر وشعر وفلسفة وتفرس في الوجود، وفي النظريات، وفي البشر، وفى الوقت، والوقت درت!
د. وليد، في كتابه، لم يرد.. لكنه أراد أن يستفز العقل. لم يرد، لكنه أراد بنفحاته ان يسوقنا معا إلى ذلك النبع الذي تتراءى لنا من صفحته مسارب الروح.. ارواحنا جميعا!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار