كتاب وأراء

أيتها «الأمم».. لقد أضعت كارلا!

الشعر أشيب. نظارة طبية عيوناتها مستديرة. العينان حزينتان لو دققت فيهما لرأيتهما تنبسان بنوع غريب من الهلع، ولو عرفت المهنة- مهنة هذه السيدة السبعينية- لأدركت أن تحقيقاتها في الفظائع، هي وراء كل هذا الشيب.. كل هذه الخطوط حول الفم.. وراء كل هذه النظرة التي تنبسُ بذلك النوع الغريب، من الخوف.. الهلع.
لئن ترى الفظاعة، ترتعب، فكيف هو أنت إذ يكون قدرك أن تحقق في فظائع بالجملة، وفي جرائم بالجملة ضد الإنسانية؟
كارلا ديل بونتي..
قدرها أن تكون- دائما- في أماكن الأقدار الصعبة، ما أصعب تلك الأقدار التي عايشتها هذه السويسرية، في رواندا المذابح، ويوغسلافيا الجزارين، وتعيشها الآن في سوريا، سوريا الأسد الذي يزأر بالفظائع، وهذا العالم مجرد قطيع يلوذ مرعوبا، بالفرار!
كارلا- التي عاشت الحياد في زمان الحرب الباردة- لا تعرف الحياد في زمان الحروب التي تتلطخ فيها الإنسانية بدموم الفظائع المخيفة. في زمان الفظائع هذا ليس هنالك وقوف بين بين. في زمان الفظائع إما أن تقف مع الحقيقة وإما أن تقف ضدها.. إما أن تقف مع الإنسان أو الأبالسة... إما أن تفتح فمك بالحق، وإما أن تسكت عنه، مثلك مثل أي شيطان أخرس!
- الحق أقول لكم: مهمتي مستحيلة في سوريا. الحق أقول لكم: صبري نفد!
كل الذين يطول بهم العمر- مثل كارلا- لا ينفد صبرهم بسهولة. كل العواجيز يطيل صبرهم، الإيمان بالصبر كقيمة.. ومن إيمان العجائز، الصبرُ على النهايات الوشيكة الموجعة، والصبر على الرقدة الشاسعة!
- كارلا، ما الذي أنفد صبرك، أيتها المحققة العظيمة؟
- لا توجد عدالة في سوريا. ولا أمل فيها. العالم لا يُبالي، ومجلس الأمن لا يقدم دعما سياسيا للجنة التحقيق في الجرائم الكبرى.. ثم.. ( تتأوه كارلا) الجرائم في سوريا مرعبة. الأسد يرتكبها بالطبع.. والمعارضة أيضا.. هذا مخيف!
في زمن سوريا الرعب، من الخسارة للإنسانية، أن يفقد العالم، سيدة المصائر الصعبة. أن يفقد كارلا بونتي. أن يفقد النزاهة. أن يفقد ما يدين هذا العالم ممثلا في منظمته الدولية. أن يفقد رئيس تحقيق متوازن في الفظائع!
- هذه استقالتي. أنا محبطة!
.. وكانت الاستقالة على طاولة الأمين العام للأمم المتحدة، تقول بلسانها: أيتها الأمم لقد أضعت بخزيك وخذلانك، كارلا.. كارلا ديل بونتي.. وأضعت الشهامة!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار