كتاب وأراء

مشروع إنساني سابق في مضمونه .. وغير مسبوق في مكنونه

«الإقامة الدائمة» .. خطوة متقدمة لتعزيز روح المواطنة

«الإقامة الدائمة» .. خطوة متقدمة لتعزيز روح المواطنة

في خضم الأصداء المتواصلة تفاعلاً مع مشروع قانون «الإقامة الدائمة»، الذي أعلنه مجلس الوزراء الموقر في اجتماعه الأخير برئاسة حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لا أملك سوى الترحيب الحار بهذا المشروع، الذي يستعد المشرع القطري لإقراره، وفقاً لآليات التشريع المعتمدة،
والخطوات التشريعية المتبعة في الدولة.
.. وما من شك في أن هذا المشروع سابق في مضمونه، وغير مسبوق في مكنونه، ويسبق جميع دول المنطقة في منطوقه الإنساني، ومنطقه القانوني، ونطاقه الحقوقي والحضاري.
.. ولعل ما يدفعني للشروع في تأييد هذا المشروع أنه يشرع الأبواب على «مصراعيها»، لتوفير الاستقرار العائلي لأبناء المواطنة القطرية المتزوجة من غير القطري، ولن أقول الأجنبي.
كما أنه يعيد الاعتبار لحقوق الأم المواطنة، التي ارتبطت لظروف عائلية خاصة،
أو أسباب اجتماعية خالصة بزوج لا يحمل جنسية وطنها، وأنجبت منه عدداً من الأولاد والبنات، وربما تحملت مشاق في سبيل تربية أبنائها تفوق في معظمها أعباء زوجها غير المواطن.
.. ويشير المشروع إلى حرص قطر على إزالة أي تمييز ضد المرأة القطرية لا يتماشى مع روح العصر، من جانب أي وزارة أو مؤسسة أو شخصية اعتبارية أخرى، والقضاء على أي ممارسات قائمة على الاعتقاد أن أبناء القطرية من زوجها غير القطري أدنى من غيرهم.
.. ويأتي منح بطاقة «الإقامة الدائمة» لأبناء هذه الأم القطرية، وفقاً لما ينص عليه المشروع، ليكون متسقاً نسبياً، بل متوافقاً جزئياً مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المسماة «سيداو».
.. وهي معاهدة دولية تم اعتمادها في الثامن عشر من ديسمبر عام 1979، من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووقعت قطر عليها في التاسع عشر من أبريل عام 2009، باعتبارها وثيقة قانونية مهمة تدعم حقوق المرأة على مستوى العالم.
.. وعلى الرغم من أن مشروع القانون المقترح لا يصل إلى مرحلة منح الجنسية لأبناء القطرية المتزوجة من غير قطري، إلا أن الإجراءات المقترحة تشكل نقلة نوعية، والامتيازات المطروحة تعد قفزة قانونية في ترسيخ الحقوق الممنوحة لهم.
.. وأحسب أنها تكفل حلاً متكاملاً لمعاناتهم، بما يحمي هذه الأسرة من أي عارض قد يهدم أواصرها، وخصوصاً ما يتعلق بمسألة تجديد الإقامة بشكل دوري، أو الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية وغيرها، عدا أولوية التعيين في الوظائف الحكومية.
.. وفي إطار الإشادة بهذا الموقف القطري، لا أنسى الإشارة إلى وجود العديد من المجتمعات المحيطة بنا، لا تزال فيها المرأة تعاني من وجود نظرة تمييزية ضدها، لدرجة أنها لا تستطيع حتى الآن قيادة سيارتها، في موقف غير حضاري، يعكس فيما يعكسه عدم الثقة بها، أو فقدان الثقة في البيئة الحاضنة لها، التي يمكن أن يقوم ذئابها بإيذائها!
.. وليت «الكاتب الليبرالي» السعودي عبدالرحمن الراشد أن يكتب عن قضايا المرأة السعودية غير المسموح لها بقيادة السيارة، بدلاً من أن يشغل نفسه بالخوض في قضايا الآخرين.
.. وليته من منفاه الإجباري أو الاختياري حيث يقيم في «المارينا دبي»،
يقود حملة للدفاع عن حقوق المرأة في بلاده، سواء في «القصيم» حيث ينبع التشدد، أو «عرعر» أو أي مكان آخر.
.. وبدلاً من أن «يعرعر» قلمه في الهجوم الدائم على قطر، أو الكويت ــ كما كتب مؤخراً ــ ليته يهاجم قوى «التطرف المعرعر» في بلاده، التي أجبرته على الهروب من مواجهة ما يستحق المواجهة في «المملكة».
.. والمفارقة أن الكاتب السعودي يدعو قطر لتغيير سياستها التي لا تعجبه، دون أن يجرؤ على المطالبة بتغيير الأوضاع غير العصرية، وغير الحضارية وغير الإنسانية التي تعيشها المرأة السعودية، لدرجة أنها لا تستطيع الحصول على رخصة لقيادة سيارتها، في حين يتم الترخيص لزوجة الرئيس الأميركي
«دونالد ترامب»، وابنته «إيفانكا» بانتهاك تقاليد المجتمع السعودي!
.. ونحمد الله أن دولتنا قطعت شوطاً متقدماً في عملية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، من خلال سعيها الحثيث للمواءمة مع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها، وقامت بدمج موادها في التشريعات القطرية.
.. ولا أنسى التوقف عند الدور الريادي الذي اضطلعت به «صاحبة السمو» الشيخة موزا بنت ناصر، في مجال النهوض بالقيمة الإنسانية للحركة النسائية في قطر، حيث أولت سموها اهتماماً بالغاً بكافة جوانب حياة المرأة القطرية، وعملت على تحفيزها للنهوض بكامل مسؤولياتها الاجتماعية.
لقد اهتمت قيادتنا الرشيدة بالمرأة القطرية في جميع مراحل حياتها، وجعلتها معززة مكرمة، وكرمتها أما وزوجة وأختاً وبنتاً، حرصت على صيانة حقوقها لكونها الأم الكريمة بعطائها، والمربية بمكارم أخلاقها، والسيدة الفاضلة بأفضالها، عدا العديد من الأدوار الاجتماعية التي برعت فيها الأم القطرية، وأثبتت مكانتها الرائدة في مجتمعها القطري.
.. ولأن قضية أبناء الأم القطرية المتزوجة من غير مواطن تعتبر من القضايا الإنسانية، التي لم توضع لها حلول جذرية، حيث تم الاكتفاء بالحلول الجزئية، فقد اكتسبت قضية هذه الفئة دفعة قوية، خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، بعدما تم الإعلان أن قانون «البطاقة الدائمة» يشمل فيما يشملهم أبناء المواطنة المتزوجة من غير قطري، حتى يشعر أبناؤها بأنهم مواطنون، يتمتعون بجميع الامتيازات الممنوحة، بصفتهم مولودين في قطر، ومقيمين فيها، ومرتبطين بها وبهويتها الوطنية.
.. وعلى هذا الأساس فإن «الإقامة الدائمة» ستتيح لهم معاملة نظرائهم القطريين في الخدمات التعليمية والرعاية الصحية، عدا أولوية تعيينهم بعد المواطنين في الوظائف العامة بشقيها العسكري والمدني.
.. وما من شك في أن مشروع هذا القانون يراعي تماماً كافة الاعتبارات المتعلقة بهذه الفئة، ويعبر بشكل صادق عن شعور الدولة بقضيتهم، وشعورها بالأثر السلبي على أمهاتهم القطريات.
.. ولهذا فإن حكومتنا الموقرة برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء من خلال موافقتها الكريمة على المشروع تقدم إطاراً شاملاً للنهوض بأوضاع المرأة القطرية المتزوجة من غير قطري، عبر إيجاد مقاربة قانونية لمفهوم المساواة في الفرص المتاحة لهم، في مجالات التعليم والعمل وغيرها.
.. وعندما أسلط الأضواء على هذه القضية لا أتحدث عن مشكلة نسائية محضة، وإنما عن معضلة إنسانية ضاغطة على حياة أبناء القطريات، الذين لا يحملون الجنسية القطرية، وجاء مشروع «الإقامة الدائمة» ليكفل لهم الاستقرار النفسي، والأمان الأسري والاجتماعي والقانوني، مما يصون كرامتهم، ويوفر سبل العيش الكريم لهم.
.. وما من شك في أن القطرية المتزوجة من غير مواطن هي في البداية والنهاية ابنة هذا الوطن، تعيش على ترابه، وتقوم بمسؤولياتها في تربية أجيال من أبنائها الذين أصبحوا رجالاً، يساهمون في بناء قطر، ونهضتها كل في مجال اختصاصه.
.. ومن هنا أدعو السادة أعضاء «مجلس الشورى» إلى ضرورة تمرير المشروع المطروح، خلال دور الانعقاد المقبل، وفاء لحقوق المرأة القطرية المتزوجة من غير قطري، وإيفاء لأمومتها، باعتبارها إنسانة تستمد حقوقها من «حقوق الإنسان».
.. ولعل إقرار «الإقامة الدائمة» لأبنائها حق إنساني لها، ينبغي أن تستفيد منه، انطلاقاً من التزام قطر ــ كعادتها ــ بتعزيز الحقوق الإنسانية داخل البلاد وخارجها.
.. ورغم أنه لا يمكن إنكار التقدم الملحوظ الذي أحرزته قطر دعماً لحقوق المرأة على مدار العشرين عاماً الماضية، لكن لا يمكن أيضا إغفال أن القطرية، عندما يكتب لها نصيبها أن تتزوج من غير مواطن فإنها تعاني كثيراً، امتداداً من معاناة أبنائها غير القطريين.
.. ومن خلال مشروع قانون «الإقامة الدائمة» تؤكد حكومتنا ودولتنا حرصها على
معاملة الأم القطرية المتزوجة من غير قطري بكل ما يليق بها من احترام واهتمام والتزام، من خلال منح أبنائها العديد من الامتيازات الواجبة، حرصاً من الدولة على حمايتهم من الوقوع في براثن الأذى أو الردى، مما يساهم في تعميق شعورهم بالمواطنة.
.. وفي هذا السياق ولا أقول السباق يمكنني تسمية نظام «الإقامة الدائمة» المقترح بمسمى «الكارت الأدعم»، نسبة إلى لون العلم القطري، ولأنه يدعم حقوق أبناء الأم القطرية المتزوجة من غير مواطن.
هذا عدا الدعم الذي ستوفره «البطاقة الداعمة» للفئات الوافدة التي ستحظى بها، وهم الذين قدموا خدمات جليلة للبلاد، إضافة إلى أصحاب الكفاءات والمواهب الخاصة، التي تحتاج لها الدولة في جميع مؤسساتها ومرافقها.
.. ولهذا فقد استبشرت الجاليات العربية المقيمة في قطر خيراً بالإعلان عن مشروع هذا القانون، الذي يشكل خطوة سابقة في المنطقة، وغير مسبوقة في الشرق الأوسط.
.. ومن خلال مشروع هذا القانون تشرع قطر في مراجعة ومعالجة قواعد وآليات إقامة الأجانب الوافدين، وتعمل على تحسينها وتطويرها، وفقاً للضوابط القانونية المعلنة، مما سيسبب حرجاً بالغاً لدول المنطقة الأخرى، التي أعلنت أنها بصدد تقديم تسهيلات للمقيمين فيها، لكنها
لم تنفذ منها شيئاً إيجابياً، بل أن معظمها يشكل «ابتزازاً» لهم، من خلال فرض
«ضرائب ورسوم» إضافية عليهم!
.. وما من شك في أن «الإقامة الدائمة» تعد رابطة قانونية، تربط صاحبها بالدولة وشعبها، وتجعله واحداً من ساكنيها مدى الحياة، له حقوقه وعليه واجباته في إطار قوانين البلاد ودستورها.
.. ويعد مشروع القانون المطروح خطوة إلى الأمام باتجاه الالتزام بتقديم امتيازات خاصة بل خصوصية للمقيم في قطر، الذي تنطبق عليه شروط «الإقامة الدائمة» أيا كانت جنسيته.
.. وهي خطوة إنسانية حضارية حقوقية تحسب لصالح قيادتنا، وتصب في رصيد حكومتنا، وشعبنا القطري الصالح المتصالح، المتصافح، المتسامح، المتعاون، المتآلف والمتكاتف مع الآخر.
.. وبهذا القانون سيصبح كل مقيم في قطر «سفيرا شعبياً» لها، متحدثاً باسمها، مدافعاً عنها، حافظاً لحقوقها، شريكاً في نهضتها، قائما بواجباته تجاهها،
واعياً لأبعاد المؤامرة الكبرى التي تتعرض لها، مدركاً أبعاد الحصار الجائر المفروض عليها.
.. وبعيداً عن «القراءة الإرهابية» المتصاعدة في دول «التحالف الرباعي» حول هذا المشروع، لا شك أن هناك الكثير من المكاسب الإيجابية لتطبيق نظام «الإقامة الدائمة» ستنعكس في معظمها على الاقتصاد القطري، بحيث تفتح مجالاً للمقيمين المستفيدين منها، من ذوي الدخل الجيد للاستثمار في قطر، مما يقلل بشكل كبير تحويلاتهم الخارجية، لوجود منافذ استثمارية جاذبة لهم داخل البلاد، تتيح لهم تشغيل أموالهم في مفاصل
القطاع الاقتصادي، ضمن وعاء قانوني منظم.
.. وستتيح البطاقة لحاملها أن يكون قطرياً بالانتماء إلى قطر، دون أن يحمل جنسيتها، حيث سيتمتع بالعديد من المزايا والمميزات التي تؤهله للاستقرار والاستمرار والاستثمار في «دار المجد» تحت مظلة «تميم المجد».
.. وستوفر «البطاقة الدائمة» لحاملها الحق في التملك التجاري، وممارسة بعض الأنشطة التجارية بدون شريك قطري، بمعنى أنه يستطيع مقيم من السودان افتتاح محمصة «فول سوداني» في الدوحة، ويستطيع آخر من مصر تدشين مصنع لصناعة «الفطير المشلتت» في الوكرة، ويستطيع مستثمر يمني افتتاح مطعم «مندي» في مشيرب!
غير أن الأصعب هو نجاح وافد من «المنوفية» في افتتاح وكالة لتسويق بيع «التوك توك» في الدوحة، لأنه لن يجد إقبالاً عليها، بحكم أن القطريين يفضلون قيادة «اللاند كروزر»!
بقلم: أحمد علي

أحمد علي