كتاب وأراء

..... وهذا العيشُ إلى بخار!

أغامر واقول إن أحدث تعريف لإنسان اليوم، هو أنه ليس المخلوق الوحيد الذي يغلي من الداخل!
لا أعرف دواخل الحيوانات، ولا الحشرات، لكني أغامر.. ومغامرتي تمتد إلى النبات، بالرغم أنني لا أعرف ماذا يدور في كيان البذرة، ولا الشجرة.. ولا أعرف ما إذا كانت الوردة تتنفس الأريج، لتنفس عن نفسهاـ، أم انها توسوس به، وتبوح، لتعلم الحبايب جلال الوسوسة، وأسرار بوح الروح!
في ظني أن الجمادات، تغلي، فهذا الجبل الذي نراه اليوم صلدا، هو غدا غير، وذراته تتهاوى ذرة من بعد ذرة، ومصيره أن يصير- بأمر ربي وربكم- كالعهن المنفوش!
البحار تغلي.. وباطن الأرض، والهواء، وهذه (السحبُ الخطاطيفُ الطوال)، فكيف يكون العيشُ غدا- والغليانُ في ازدياد- في هذه الدنيا المراجل!
هذا السؤال الموجع، يأكل الآن أذهان السياسيين، والفلاسفة، والمعنيين بتعاليم الأديان، والمثقفين والكتاب والشعراء والغاوين، والبيئيين، وعلماء الزرع والضرع والنبات.. وعلماء الذرات والصخور الشُم، وعلماء الاجتماع والتاريخ، وكل الذين ينظرون- وعيون أدمغتهم- زرقاء يمامة، ليستشرفوا مستقبل الكائنات في هذا الكوكب.. بل ليستشرفوا- أصلا- مستقبل هذه الكوكب!
أغامر، بالدخول إلى أذهان كل أولئك، لأخرج بالإجابة: هذا العيشُ- والدنيا مراجل- إلى بخار!
من يظنُ غير ذلك، فلينظر إلى هذه المعيشة الضنك إنني هنا لا أعني المعيشة في مفهومها الضيق، ذلك الذي يعني الأكل والشرب، وإنما أعنيها في مفهومها الأوسع، ذلك المرتبط أساسا بالقيم الجميلة، التي تجعل التعايش- ذلك المهم لسكان هذا الكوكب- ممكنا، على الأقل في حده الأدنى.
العيش، لا يستطيبُ، إلا بالتعايش الحميم.
هنا يقفز السؤال: أين التعايش.. أين؟ وهذا العالم، أصبح غابة للوحوش من كل جنس، من كل لسان وكل لون.. من أي ثقافة، من أي حضارة.. بل من كل المعتقدات؟
الوحوش، تغلي من الداخل.
ذلك هو تاريخ الوحوش منذ الأزل.. وهو تاريخ الطبيعة كلها.. وهو.. وهو تاريخ هذا الإنسان.. هذا الإنسان المعاصر منذ أن فقد عقله، ووجدانه، وأعصابه، وفقد.. ظله!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار