كتاب وأراء

الرياض تفتح نوافذ الحوار والحدود مع بغداد .. وتغلقها مع الدوحة!

عندما يتصدر «الصدر» صدارة المشهد السعودي

عندما يتصدر «الصدر» صدارة المشهد السعودي

بين المعلن في السياسة السعودية، والملعون على ألسنة رواد القصور الملكية، جاءت زيارة «مقتدى الصدر» التاريخية إلى «المملكة»، لتعكس التناقض الحاد في الرياض، بين ما يعلنونه جهراً، ويلعنونه سراً!
.. وللوهلة الأولى تبدو زيارة زعيم «التيار الصدري» في العراق إلى السعودية، وهو النجل الرابع للزعيم الشيعي الراحل محمد محمد صادق الصدر، خطوة جادة على طريق رأب الانقسامات الحادة، وتسوية الخلافات العميقة بين الشيعة والسُنة في المنطقة، لكن حقيقتها تكشف قمة التناقض بين النقيضين!
.. ولعل أبرز تناقضات الموقف السعودي المتناقض أن «المملكة» تسعى للتصالح مع أصحاب «العمائم السوداء» في العراق، لكنها تحارب أصحابها بلا هوادة في السعودية!
.. وما من شك في أنه قبل انطلاق الرياض للتصالح مع
الخارج السعودي، كان الأجدر لها أن تتصالح مع داخلها، حيث تتصدر أزمات «طائفة الصدر» صدارة الأحداث في بلدة «العوامية»،
المطلة على مياه الخليج العربي، وتقدر مساحتها بحوالي «40» كم مربع تقريبا، وتتبع محافظة القطيف شرق «المملكة»، وغيرها من مناطق المنطقة الشرقية، التي تعوم في محيط لا ينتهي من
الاحتقان العائم، والاضطراب الجاثم على الساحة السعودية، ولا أقول النائم!
.. ولو أن قطر هي التي أقدمت على هذه الخطوة في هذا التوقيت الحرج، وقامت بمثل هذا التوجه في ذلك الاتجاه المعاكس، لاشتغلت عليها الآلة الإعلامية السعودية، وأبواقها المنتشرة في البحرين، وكوادرها «المزروعة» في الإمارات، وتم اتهامها بالتحول إلى «التشيع»، والارتماء في أحضان من يوصفون في ثقافة المملكة بأنهم «الروافض»، باعتبار أن الدوحة ترفض الانصياع إلى مطالب «دول الحصار» المرفوضة!
.. والملاحظ أن زيارة «الصدر» إلى «المملكة» تشكل عنواناً
لمرحلة انقلابية في الدبلوماسية السعودية، عنوانها الانقلاب على ثوابت الماضي،
والتحول الجذري من خانة «المرفوض» إلى المقبول، لدرجة أن
الممنوع يصبح مسموحاً، والمحظور يصبح مشروعاً!
لقد أعلن «مقتدى الصدر»، بعد عودته ظافراً إلى بلاده،
الاتفاق مع السلطات السعودية على تشغيل الخط الجوي المعطل بين البلدين منذ عام 1990، في حين تواصل الرياض
إغلاق الخطوط الجوية بين قطر والسعودية!
كما أعلن قرب افتتاح قنصلية سعودية في النجف، في حين تغلق «المملكة» القنصلية القطرية في جدة، وسفارتنا في عاصمتها!
.. وأعلن «الزعيم الشيعي» المتشدد التوجه عند الطرفين لافتتاح معبر «الجميمة» الحدودي، المؤدي إلى مدينته المقدسة، الواقع بين محافظتي «رفحاء» السعودية، و«المثنى» العراقية، حيث يبعد عنها حوالي 35 كلم فقط، ويتصل بالعمق العراقي لمسافة 250 كيلومتراً، وتفصله عن «المملكة» صحراء «السلمان» الواسعة الشاسعة، في حين تغلق السعودية معابرها ومنافذها الحدودية، ومداخلها ومخارجها المشتركة مع قطر!
.. فهل يوجد تناقض في السياسة السعودية أكثر من هذا التناقض الفائض؟!
.. والمفارقة الكبرى أن «المملكة» تتحرك لإعادة العراق إلى حاضنته العربية ــ كما تقول وسائل إعلامها ــ لكنها في نفس الوقت تقطع الأرحام مع شقيقتها قطر، وتحاصر شعبنا القطري، وتسعى لإبعاد القطريين عن حاضنتهم الخليجية!
.. والمفارقة الأكبر أن الرياض تفتح نوافذ الحوار على مصراعيها مع بغداد، لكنها تغلقها مع الدوحة، وترفض التحاور مع شريكتها في «مجلس التعاون» الخليجي، ولا أقول في «المذهب» أو الذهب الأسود!
.. وفي الوقت الذي تسعى فيه السعودية إلى التبرؤ من سياستها المناهضة لقوات «الحشد الشعبي» في العراق، نجدها «تحشد» كل
طاقاتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية ضد قطر!
.. ووسط التقلبات التي تشهدها سياسة «المملكة» في الآونة الأخيرة، ليس مستغرباً أن نجد «حسن نصرالله» الأمين العام لـ «حزب الله»، يستقبل في الرياض «استقبالاً ترامبيا»، كما حصل مع دونالد ترامب، يتم خلاله فرش السجاد الأحمر للضيف الكبير!
.. وليس مستبعداً أيضاً أن تبث وكالة الأنباء السعودية صورة مرتقبة من «قصر اليمامة»، تظهر «صاحب السمو الملكي» مع «سماحة الشيخ» اللبناني، الذي تقود ميليشياته الطائفية المعارك دفاعاً عن نظام بشار الأسد!
.. ويبدو التناقض المتناقض في المواقف السعودية مثيراً للدهشة، وكأنك تتابع حلقة من حلقات مسلسل «طاش ما طاش»، خاصة أن «المملكة» تجاهر بمناهضة ما تسميه «المشروع الرافضي» في المنطقة، لكننا نجدها تفتح ذراعيها على مصراعيها لاستقبال أحد رموز هذا المشروع في العراق!
لقد لبى «مقتدى الصدر» «دعوة ملكية» لزيارة «المملكة»، رغم أنه يشكل رأس الحربة في الهجوم على السعودية، حيث عبر مراراً وتكراراً عن اعتقاده بأنها تتحمل مسؤولية «العنف الإرهابي» في الشرق الأوسط، بسبب نظرتها للأمور بعين واحدة ــ على حد قوله ــ متهماً إياها بتأجيج «الطائفية»، مما تسبب في إشعال نار الفتنة، وجعل المنطقة تشتعل بنيرانها، ولهذا دعاها إلى وقف حربها المذهبية الخاسرة في اليمن!
.. ويعرف عن «الزعيم الشيعي» المتشدد أنه صاحب
مواقف غارقة في التشدد إزاء المملكة، من بينها مطالبته بإغلاق سفارتها في العاصمة العراقية، احتجاجاً على إعدام المعارض السعودي نمر النمر، ومهاجمته المستمرة ما يسميه «تدخل قواتها لقمع الشعب البحريني»!
.. وفي الصيف الماضي وجه «مقتدى الصدر»، المثير للجدل، انتقادات لاذعة إلى السعودية، في أعقاب التفجيرات التي وقعت في المدينة المنورة، وقال في تصريحات نقلتها وكالات الأنباء:
«ينبغي على المملكة النظر جلياً في الإرهابيين المتواجدين داخل أروقة حكومتها وخارجها، ومحاكمتهم، وطردهم من المفاصل أجمع، لإبعاد شبح الإرهاب، ولإبقاء المقدسات بمأمن، لأنها ليست لهم فحسب بل للعالم أجمع».
.. وفي شهر ديسمبر الماضي طالب «مقتدى الصدر» السعودية بحماية «مرقد الرسول الأعظم من الفكر الإرهابي» ــ على حد قوله ــ
وإعادة بناء مدافن البقيع، وعلى رأسها قبور أهل البيت، داعياً المملكة إلى «تحويل جيوشها الجرارة المقاتلة في اليمن والبحرين إلى القدس، لتحريرها من دنس الإسرائيليين».
.. ومن بين تصريحاته الموجعة الموجهة ضد السعودية
أيضاً هجومه عليها، بسبب توجهها قبل سنوات لإعلان
«اتحاد سياسي» مع البحرين، زاعماً أن ذلك سيكون «احتلالاً» إذا تم بدون موافقة شعبيهما!
.. ولا أنسى هجومه على القمة الإسلامية ــ الأميركية, التي عقدت في شهر مايو الماضي في العاصمة السعودية، واصفاً إياها بأنها «عمل قبيح»!
مضيفاً أنه «من غير المقبول تجميع الدول الإسلامية تحت راية أميركية وقيادة ترامبية»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة دولة شر واحتلال، ولا يمكن أن تكون منطلقاً للاعتدال»!
.. ومن خلال كل تلك المواقف وغيرها يبدو واضحاً أن «مقتدى الصدر» حشر أنفه في الكثير من الملفات الحساسة، التي تخص دول المنطقة، من بينها وصفه أحداث البحرين بأنها «ثورة شعبية»!
لقد أعلن «الزعيم الشيعي» المتشدد موقفه الداعم للاضطرابات البحرينية قائلاً بملء الفم:
«العار كل العار لمن يعتبر ما يجري في البحرين تمرداً شيعيا، لكنه احتجاج شعبي»، داعياً أبناء طائفته البحرينيين إلى «الخروج في المظاهرات، لنصرة الإسلام والمذهب والمرجعية الطائفية» على حد قوله!
.. وهذا الموقف التحريضي دفع «عادل المعاودة» النائب الثاني لمجلس النواب البحريني، إلى الرد على «مقتدى الصدر» في تصريح قال فيه:
«ينبغي عليه أن يحل مشاكل بلده أولاً، الذي يؤلمنا جميعاً ما يمر به، وندعو الله صباحاً ومساء أن يرفع عنه البلاء، بدلاً من أن يتدخل في شؤون غيره».
.. ولا أنسى التوقف عند التصريح المنسوب له باجتياح «المملكة»، في حال الإساءة للمعارض البحريني عيسى أحمد قاسم، حيث نقلت مواقع إلكترونية عن «مقتدى الصدر» قوله:
«إن مست شعرة من رأس عمنا آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، فسندخل السعودية ونحرق الأخضر واليابس»!
.. واستناداً إلى هذه المواقف يتضح أن «ضيف المملكة الكبير»، الظافر بالولائم، الذي عاد إلى بلاده بالغنائم، يعتبر من
أكثر الشخصيات العراقية هجوماً على السعودية!
.. ومنذ ظهوره على الساحة السياسية في العراق عام 2003، بعد إسقاط نظام صدام صار «مقتدى الصدر» يتصدر ساحات الجدل!
.. ولطالما أثار الجدال في الشارع العراقي، بمواقفه الجدلية ما بين الحين والآخر، من خلال قدرته على تحريك الجماهير، التي ورث من والده قاعدتها الشعبية، الممتدة في أوساط الفقراء الشيعة، لا سيما في «مدينة الصدر» في بغداد، التي تعتبر معقلاً لما يسمى «التيار الصدري».
.. وأذكر أن «الزعيم الشيعي» توعد صحيفة «الشرق الأوسط» باتخاذ إجراء غير مسبوق ضدها، بعد نشرها تقريراً مسيئاً ــ كعادتها ــ زعمت فيه «وجود حالات حمل غير شرعية في كربلاء»، مهدداً بموقف حازم ضد المطبوعة السعودية.
.. وبعد كل هذه المواقف الحازمة, الموجهة ضد «المملكة»، كان غريباً تكليف «ثامر السبهان» وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي باستقبال «مقتدى الصدر» في جدة، استقبالاً لم يحظ مثله الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما تم تكليفه بتولي إمارة العراق!
.. ولعل المفارقة التي لا يمكن أن يطويها النسيان أن «السبهان» كان سفيراً لبلاده في بغداد، لكنه خرج مطروداً من هناك، وتم اعتباره
شخصاً غير مرغوب في وجوده، بسبب تصريحات أدلى بها ضد
«الحشد الشعبي»، وصفت بأنها تغذي الفتنة الطائفية في العراق، وتشكل تدخلاً في شؤونه الداخلية، وتقف عقبة أمام تطوير العلاقات السعودية ـ العراقية.
.. واعتبر كثيرون أن تعرض السفير السعودي آنذاك لتشكيلات «الحشد» التي «تحارب الإرهاب، وتدافع عن سيادة العراق، وتعمل تحت مظلة الدولة العراقية، وتملك تمثيلاً في البرلمان، مما يجعلها جزءا من النظام السيادي والسياسي العراقي، يعد خروجاً عن دور السفير،
وتجاوزاً غير مسموح به للأعراف الدبلوماسية»!
لقد تم اتهام «السبهان» بالجهل بأصول العمل الدبلوماسي، والتدخل في الشأن الداخلي العراقي، وطالبت أصوات عراقية مؤثرة بضرورة اخضاعه إلى دورة مكثفة، ليتعلم أصول العمل الدبلوماسي، والكف عن إثارة الفتنة، عبر إطلاقه تصريحات متطفلة!
.. واعتبرت أوساط عراقية نافذة أن مواقف «السفير السبهان» تتقاطع مع الاتفاقية الخاصة بالعلاقات الدولية، وتخالف المادتين الأولى والثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وتعد تجاوزاً للخطوط الحمراء، لدرجة أنه كان
لا يتصرف على أنه رجل دبلوماسي ممثل لدولته ، وإنما كرجل مخابرات!
لقد واجه «ثامر السبهان» خلال فترة عمله سفيراً في العراق موجة
غضب عارم في الصيف الماضي، لم تقتصر على أطراف مناهضة لبلاده، بل
جهات سياسية معتدلة تحسب بأنها قريبة من الرياض، من بينها «إياد علاوي»، الذي طالب باستبداله بسفير آخر!
.. وقال إن «التصريحات التي أدلى بها السفير السعودي مزعجة جداً، وغير مقبولة أياً كان مصدرها»، مشيراً إلى أنه «لو كان رئيساً للوزراء لطالب باستبداله فوراً، لأن سكوت الحكومة على تصريحاته غير مقبول»!
.. ولأن العلاقات العراقية ــ السعودية لم تكن بحاجة في ذلك الوقت إلى تصريحات السفير السعودي ثامر السبهان، لتزداد سوءا على سوئها، فقد دخل وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري على خط الأزمة وزادها تأزماً، عندما هاجم «سفير خادم الحرمين»، واصفاً تحركاته على الساحة العراقية بأنها تمثل تدخلاً سافراً في شؤون العراق الداخلية،
معتبراً أن ما كان يقوم به «السبهان» لا يدخل في إطار
دوره كسفير لبلاده، ولا حتى من اختصاص وزير خارجيته.
.. ووسط «عاصفة الحزم» التي شهدتها الساحة العراقية، في الصيف الماضي احتجاجاً على مواقف السفير السعودي، خرج «ثامر السبهان» مطروداً من بغداد، لكن الغريب أن يتم تكليفه باستقبال «مقتدى الصدر» في جدة، الذي كان واحداً من «صقور العراق» المطالبين بطرده، وكان من أكثر منتقدي تصريحاته ومواقفه!
.. ولكل هذا أستطيع القول إن زيارة زعيم «التيار الصدري» إلى السعودية شكلت نموذجاً حياً على النفاق السياسي المتبادل بين الضيف والمضيف، كما أنها عكست التناقض المتناقض بين النقيضين!
.. ووسط تناقضات السياسة السعودية، وتقلباتها في الآونة الأخيرة، لن نفاجأ بظهور «بشار الأسد» فجأة في الرياض، مشاركاً في رقصة «العرضة النجدية»، جنباً إلى جنب مع «أصحاب السمو الملكي»!
.. وحتى تكتمل تفاصيل المشهد، الذي سيكون مشهوداً بين الشهود، فليس غريباً أن يظهر «رئيس النظام السوري» متزيناً بملابس «العرضة» الشهيرة، المعروفة باسم «المرودن»، مرتدياً «المجند»، وهو الحزام الجلدي الذي يحيط بالصدر والظهر، ويلتف حول الخصر، حاملاً «سيفاً دمشقياً»، يلوح به وسط لمعان السيوف البراقة، المرفوعة في
أيدي العارضين، بين الصفوف المتراصة كالجبال، المتحركة بالرجال، المتراقصة بكل دلال، في مشهد حماسي لا يخلو من الجمال، على إيقاع الطبول، والأهازيج الشعبية، بينما «فخامة الرئيس بشار بن حافظ الأسد» يتوسطهم ويقود الأناشيد معهم مردداً:
«نحمد الله جت على ما تمنى
من ولي العرش جزل الوهايب»
«خبر اللي طامع في وطنا
دونها نثني لي جات الطلايب»
«يا هبيل الراي وين انت وإنّا
تحسب إن الحرب نهب القرايب»
«واجد اللي قبلكم قد تمنى
حربنا لي راح عايف وتايب»
بقلم : أحمد علي

أحمد علي