كتاب وأراء

خطاب شامل جامع حول الأزمة والسيادة واستقلال القرار الوطني

قـوتنــا فـي وحـدتنـا

قـوتنــا فـي وحـدتنـا

من الصعب أن تكفي مقالة في صحيفة للحديث عن الخطاب الشامل الجامع لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، نظرا لأهميته ومكانته وقيمته، وما تضمَّنه من كلمات تاريخية في مرحلة حساسة، تخوض فيها قطر معركة السيادة واستقلال القرار الوطني، وسط حصار ومؤامرة تحاك ضدها لتقييدها وتحييدها عن قضايا الأمة، من قبل دول جارة، ويفترض أنها شقيقة، ولكن للأسف، فما تقوم به من أعمال عدائية، وما تكنه من مشاعر الحقد والغيرة يجعلها في نظر العالم دولا مراهقة ومتهورة وغير ناضجة، تفتقد للحكمة والأخلاق، وتجهل القواعد السياسية والقوانين الدولية!
خطاب صاحب السمو يستحق أن يحمل عنوان الكرامة والثبات على المبادئ، فصدح بالحق والصدق، وخرج من القلب إلى القلب، وكان حديث العقل والوجدان معا، والإرادة والصمود، في مواجهة عاصفة من الإشاعات المغرضة والحوارات المفبركة والجرائم الممنهجة والإساءات المبرمجة والاتهامات الباطلة، لتُنسَف جميعا في دقائق، عبر كلمات موزونة وصادقة وواثقة، قواعدها المواقف الشامخة، وأسسها المبادئ الثابتة.
إنه حديث القائد المدرك لطبيعة التحديات، لشعب عاهده على مواجهتها بعزة وثبات وكبرياء.. فقطر، كما في نشيدها الوطني، «حمائم يوم السلام.. جوارح يوم الفداء، وقطر ستبقى حرة تسمو بروح الأوفياء».
هذا عهدنا بقائدنا تميم الفخر والخير والعز، وهذا عهدنا بشعبنا الأبي الوفي الذي كان على مستوى الحدث في مواجهة التحديات والمؤامرات والإساءات.
حديث صاحب السمو أعطى الإشارة من أجل التأسيس لمرحلة جديدة، ومن أجل نهضة شاملة في كل مناحي حياتنا، من التعليم إلى الاستثمار إلى الصناعة، إلى الزراعة.
لقد وضع حجر الأساس لـ «قطر الجديدة»، كما نتطلع لها ونحلم بها، بلد العلم والعمل والإيمان، عاصمة النهضة والبناء والاستقرار.. دوحة الأمن والأمان والإنتاج.. لا قيود تمنعنا ولا مجاملات تعطلنا.. سننطلق بقوة إرادتنا لنحلق في فضاء مختلف وعالم متطور بقدرات أبنائه الذين استثمر فيهم بالتعليم والتدريب والتأهيل، يؤمِّن احتياجاته بسواعد شبابه، ولا يرهنها في حوزة الآخرين المتهورين سياسيا والمتخلفين اقتصاديا والمتقلبين مزاجيا..!
لذلك حظي الجانب الاقتصادي باهتمام خاص ومحدد، ولم يعد أمر النهوض به خيارا نمارسه على مهل، بل صار أمرا ملزما وضروريا وعاجلا، لا مجال للتباطؤ فيه، أو للتكاسل معه، فالأزمة الراهنة التي نواجهها تحتاج إلى قرارات حاسمة وحازمة وصارمة، من شأنها وحدها حفظ أمننا واستقرارنا، وتأمين مستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا.
بدأ صاحب السمو خطابه مشيدا بروح التضامن والتآلف والتحدي التي سادت وخيبت آمال الذين راهنوا على عكسها، لجهلهم بطبيعة مجتمعنا وشعبنا الذي وقف تلقائيا، وبشكل عفوي وتلقائي، دفاعا عن سيادة وطنه واستقلال قراره، ثم أشار بكل اعتزاز إلى المستوى الأخلاقي الرفيع الذي يتمتع به هذا الشعب، في مقابل حملة التحريض والحصار الذي تلاها، وجمعه بين صلابة الموقف والشهامة التي تميز بها القطريون دائما، حيث أذهلوا العالم بحفاظهم على المستوى الراقي في مقاربة الأوضاع، على الرغم مما تعرضوا له من حملة إساءات غير مسبوقة في النبرة والمفردات والمساس بالمحرمات، وحصار، لأول مرة، بين دولنا الخليجية!
وكما قال سموه، فقد كان امتحانا أخلاقيا حقيقيا، حقق فيه مجتمعنا نجاحا باهرا، ولم يأت ذلك من فراغ، إذ أن هذا الشعب يفخر بأن الأخلاق هي التي تعلو بها الأمم والمجتمعات، وهي التي تقيم الصروح الحقيقية، وهي ما تربى عليه، ولديه القدوة ممثلة بصاحب السمو الأمير المفدى، الذي تعامل مع الأزمة بهذه الروح التي نشأ عليها، فصارت نبراسا يضيء لنا الطريق.
خطاب صاحب السمو هو خطاب الكرامة والإنسانية، والإيمان بقدرات شعبه، لذلك أوضح، بما لا يدع مجالا للشك، أن المس بإرادتنا المستقلة أو بحرية التعبير خط أحمر لا يمكن تجاوزه، فاحتكار المعلومة كسرته قطر بالثورة الإعلامية التي أحدثتها، ولم يعد ممكنا العودة إلى الخلف، فقد أصبحت هذه الثورة إنجازا للشعوب العربية كلها.
ومما يتعين التوقف عنده مليا ما تحدث عنه صاحب السمو حول قيام بعض الدول باتباع أسلوب التشهير والافتراء على قطر بنوع من الوشاية السياسية ضدها في الغرب، فهذا في كل الأعراف عيب؛ أولا لأن الادعاءات غير صحيحة، وثانيا لأنها مساس بغير حق بدولة شقيقة. ألا نُعلِّم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب هما رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة؟.
نعم هما رذيلتان من أسوأ الرذائل، ونحمد الله أن الوشاية والكذب لا مكان لهما في القاموس القطري المحيط، هكذا نشأنا وعلى هذا تربينا.
كان موضوع الإرهاب حاضرا في خطاب صاحب السمو، فقطر تكافح الإرهاب بلا هوادة ودون حلول وسط، وثمة اعتراف دولي بدور قطر في هذا المضمار، وهي تفعل هذا ليس لأنها تريد أن ترضي به أحدا في الشرق أو الغرب، بل لأنها تعتبر الإرهاب، بمعنى الاعتداء على المدنيين الأبرياء لغايات سياسية، كما أوضح سموه، جريمة بشعة ضد الإنسانية، ولأنها ترى أن القضايا العربية العادلة تتضرر من الإرهاب، فهو يمس بالعرب والإسلام والمسلمين.
مكافحة الإرهاب كانت موثقة في كل الخطابات والكلمات التي ألقاها سموه، وكان موضع مواجهة الإرهاب هو القاسم المشترك، فهو الشغل الشاغل لدولة قطر، نظرا لنتائجه المدمرة على الأمتين العربية والإسلامية، والعالم بأسره.
خطاب سموه الأخير في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة، العام الماضي، تناول هذه القضية، التي اعتبرها «مصدر تهديد لشعوبنا وأوطاننا ومنجزاتنا الاقتصادية والاجتماعية، مما يستلزم تكثيف جهودنا في مكافحته».
هذا الهم الذي يؤرق العالم اليوم، لم يتناوله صاحب السمو من باب تسجيل موقف، وليس لإرضاء طرف معين، وإنما من باب الحرص على حل يقوم أساسا على فهم هذه الظاهرة المقيتة، وفهم الظروف المساعدة على تسويق أيديولوجيات متطرفة في بيئة اليأس والإحباط وانسداد الآفاق.
وكما أوضح سموه آنذاك، فإن النجاح في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة ليس سهلا، لكنه أيضا ليس مستحيلا إذا ما توافرت الإرادة السياسية من خلال معالجة الجذور الاجتماعية لها، وهذا هو منطلق قطر، وهذه هي رؤيتها في مكافحة هذه الآفة منذ زمن طويل، وعندما كان سموه يطلق التحذير تلو الآخر، ويقرع أجراس الإنذار، كانت الدول التي تتهم قطر اليوم غارقة حتى شحمة أذنيها بدعم الإرهاب، إما مباشرة، أو عبر توفير المال والتحويلات البنكية، أو من خلال أسباب اليأس والإحباط والفقر والجهل والبطالة التي تؤدي تلقائيا إلى الإرهاب.
لم يحاول صاحب السمو أن يقلل من حجم الألم والمعاناة التي سببها الحصار، وكان واضحا تمام الوضوح بقوله إن أي حل لهذه الأزمة في المستقبل يجب أن يشمل ترتيبات تضمن عدم العودة إلى هذا الأسلوب الانتقامي في التعامل مع المواطنين الأبرياء عند حدوث خلاف سياسي بين الحكومات.
إن أهم ما في الأزمات أن يستنبط منها الإنسان الدروس والعبر الملائمة، عندها لن تكون هذه الأزمات سيئة بالكامل، طالما أنها ستنعكس إيجابا على الخطط المستقبلية لمواجهة أي طارئ مهما كان، وهذا ما تحدث عنه صاحب السمو، بقوله «لقد دفعت هذه الأزمة المجتمع القطري ليس فقط إلى استكشاف قيمه الإنسانية، إنما أيضا إلى استكشاف مكامن قوته في وحدته وإرادته وعزيمته.
وكان ذلك مدخلا لتأسيس نهج جديد للعمل، يقوم على فتح اقتصادنا للمبادرات والاستثمار، وإنتاج غذائنا ودوائنا وتنويع مصادر دخلنا، وتحقيق استقلالنا الاقتصادي.
لم يعد ذلك من باب التمنيات منذ لحظة الخطاب، بل صار واجبا والتزاما يجب العمل على تنفيذه، وعندما يقول صاحب السمو إنه لا مجال للتهاون فيه، فإن الأمر بات محسوما وواضحا وإلزاميا، وهذه مسؤوليتنا جميعا في كل موقع اقتصادي أو تعليمي أو صحي أو إنشائي.
لقد توجه إلينا جميعا صاحب السمو، فيما نخوض هذا الامتحان بعزة وكرامة، قائلا إن قطر بحاجة لكل منكم في بناء اقتصادها وحماية أمنها، وهذا يلقي علينا مسؤولية أن نكون على قدر هذه المسؤولية، وأن نلبي النداء، كما فعلنا منذ اليوم الأول لهذه الأزمة، عبر الاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة والاهتمام بالتحصيل العلمي في الاختصاصات كافة، والاعتماد على النفس ومحاربة الكسل والاتكالية.
لم يكن الحاضر فحسب هو ما يشغل صاحب السمو، لكنه المستقبل أيضا، لذلك سمعناه يوجه بتخصيص عائدات الغاز من الاكتشافات الجديدة التي أنعم بها الله علينا للاستثمار من أجل الأجيال القادمة، فقد عاشت قطر برخاء حتى الآن من دونها، بفضل الله وبفضل قيادتنا وأميرنا الغالي على قلوبنا، واليوم يمكن أن نشعر باطمئنان مضاعف ونحن نتطلع لمستقبل أبنائنا، الذي سيكون زاهرا وآمنا ومستقرا بإذن الله.
ولم ينسَ صاحب السمو أصحاب الفضل من الأشقاء والأصدقاء الذين بادروا لإصلاح ذات البين، أو الذين مدوا يد العون والمساندة، وكان في مقدمتهم صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الشقيقة، الذي توسط وحظي بدعم قطر منذ البداية، كما قدر سموه المساندة الأميركية لهذه الوساطة، وكذلك المواقف البناءة لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا عموما وروسيا.
ولم ينس أن يشيد بالدور الهام الذي لعبته تركيا في إقرارها السريع لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقعة بيننا، والمباشرة في تنفيذها، وكل من فتح لنا أجواءه ومياهه الإقليمية حين أغلقها الأشقاء.
إنه خطاب الكرامة، من الرجل الذي لم يسمح بمس كرامتنا أو الاقتراب من سيادتنا أو العبث في سياستنا، فعشنا وكأن الحصار لم يكن، وواصلنا حياتنا وكأن شيئا لم يحدث، ولأنه خطاب الكرامة فقد كان واضحا تماما بأن الحل يقوم على مبدأين: أولا، أن يكون الحل في إطار احترام سيادة كل دولة وإرادتها. وثانيا، أن لا يوضع في صيغة إملاءات من طرف على طرف، بل كتعهدات متبادلة والتزامات مشتركة ملزمة للجميع.
خطاب بليغ عميق موجه للشعب والأمة، يشخص الداء ويصف الدواء، ويؤكد على السيادة والإرادة، ورغم الحصار والأزمة الخليجية لم ينس القضية الفلسطينية إذ وجه رسالة حب وتقدير وتضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق، ولاسيما أهلنا في القدس، واستنكار إغلاق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، عسى أن يكون ما تتعرض له القدس حافزا للوحدة والتضامن بدلا من الانقسام.
خطاب الأمير تضمن دروسا في السياسة والأخلاق والكرامة والشهامة، وتميز بالصراحة والوضوح، ويخاطب وعي الشعوب ويمثلهم.
خلاصته الالتزام بالمبادئ، واحترام الدستور والسيادة، ورفض الإملاءات والإساءات، ومناصرة القضايا الإسلامية والعربية، بقوة الحق وسلاح المنطق.
هذه رؤية قطر، رؤيتنا جميعا لحل لا يمكن أن يقوم إلا على حفظ سيادتنا وأمننا، وكل ماعدا ذلك سوف يتحطم على صخرة تلاحمنا وتضامننا.
نقول لصاحب السمو ردا على ما قاله: أنت يا سمو الأمير فخرنا وذخرنا وزادنا وعتادنا في التصدي للتحديات الكبرى التي تنتظرنا، وستجدنا بحول الله كما تريدنا أن نكون في سبيل عزة وطننا وأمنه واستقراره.. سيفا في يمناك.. «وعصاك اللي ماتعصاك».

بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري