كتاب وأراء

«القرصنة الإلكترونية» للمواقع القطرية لا تقل في خطورتها عن الأعمال الإرهابية

«الإمارات غيت» .. فضيحة كشفتها «واشنطن بوست»

«الإمارات غيت» ..  فضيحة كشفتها «واشنطن بوست»

الصحيفة الأميركية الشهيرة لا تنشر أخبارا كاذبة .. ولها إنجازاتها الصحفية

على غرار فضيحة «ووترغيت» التي كشفتها صحيفة «واشنطن بوست»، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وهزت أركان «البيت الأبيض»، وأدت إلى استقالة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون من منصبه في الثامن من أغسطس عام 1974, قبل أن يقيله الكونغرس.
.. أقول على خطى ذلك الإنجاز الصحفي التاريخي, أماطت نفس الصحيفة الأميركية الشهيرة اللثام عن فضيحة خليجية مدوية، أستطيع تسميتها «الإمارات غيت»، بعدما كشـــفت الخيوط الأولى لتورط الإمارة المرتكزة على تراث «بني ياس»، في عمليــــة «القرصـــنة الإلكترونية»، التي اســــتهدفت موقع وكالة الأنباء القطرية ومواقـــع حكومية أخـــرى، منها موقـــع وزارة الخارجية.
.. وكلنا نعلم أن ذلك العدوان الإلكتروني لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين دول «مجلس التعاون»، وكان سبباً مباشراً في اندلاع الأزمة الخليجية، خاصة أن دول «التحالف الرباعي» ارتكزت في توجيه ادعاءاتها الباطلة، وأكاذيبها الحافلة، ضد قطـــر، على منصة التصريحات الكاذبة المنســـوبة إلى «صاحب السمو»، واتخذت منها ذريعة لفرض حصارها الجائر على قطــر!
.. والمخجـــــــل أن يقـــوم «قراصـــــنة الإمـــــــارات» باختــــــراق أهـــم المواقع القطرية، وأكثرها ارتباطاً بصناعة القرار القطري، والتلاعب في بياناتها، وتمرير بيانات كاذبة، وتصريحات غير صائبة من خلالها.
.. والمعيب حقاً تورط مسؤولين كبار في الإمارات في عملية القرصنة الإلكترونية، حيث ناقشوا في الثالث والعشرين من مايو الماضي خطة الاختراق قبل يوم من تنفيذها، وذلك وفقاً لمعلومات مؤكدة، نقلتها الصحيفة العالمية ذائعة الصيت عن مسؤولين في المخابرات الأميركية.
.. وعندما تكشف صحيفة «واشنطن بوست» العريقة، التي تأسســــت عــــام 1877 كل هذه التفاصيل، فهذا يعني ــ دون أدنـــى شـــك ــ صحتهـــا ويـــؤكد مصداقيتهـــا، لأن هـــذه المطبوعة العالمية لا تنشر أخباراً كاذبة، ولا تدار على طريقة «الشرق الأوسط» السعودية، لكنها صحيفـــة لها تاريخهـــا وتعتمـــد على إنجازاتها الصحفية، ومعروف تأثيرها على الساحة الأميركية.
.. وما من شك في أن الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات يستطيع نفي الخبر وتكذيبه، بل يســــتطيع أن يقـــول ما يقــــول دفاعـــا عن موقــــــف دولتــــه ــ وهذا من حقه ــ كما فعل سفيره في واشنطن يوسف العتيبة، لكنهما لا يستطيعان التشكيك في أن هذه الصحيفة العريقة استطاعت بمصداقيتها، إجبار الرئيس الأميركي الأسبق على الاستقالة من منصبه، ليصبح الرئيس الوحيد المستقيل في تاريخ بلاده.
.. وما من شك في أن «قرقاش» لن يستطيع هو وسفيره «قرقوش» أيضا، إنكار حقيقة المصداقية التي تتمتع بها صحيفة «واشنطن بوست»، مما قادها لتحقيق شهرتها الشاسعة، وزيادة مبيعاتها الواسعة، من خلال التزامها بأخلاقيات المهنة، وأداء رسالتها استناداً على الحقائق الثابتة، بعيداً عن الأهواء المتفاوتة.
.. ويعرف أي دبلوماسي يعمل في وزارة الخارجية الإماراتية، أو في سفاراتها في الخارج، أن عملية القرصنة هذه صحيحة، لذلك لن يستطيع أن يدافع عن هذه الفضيحة، التي لطخت سمعة الإمارات في أوساط الرأي العام الخليجي والعالمي، مما يعيد إلى الأذهان فضيحة التجسس على سلطنة عمان، التي وقعت عام 2011، عندما تمكنـــت الأجهــزة الأمنية العُمانية من الكشــف عن شبكة تجسس تابعة للإمارات تســـتهــدف نظام الحكم في الســـلطنة وآليــــة العمل الحكومـــي والعســـكري، والتي بذل أمير الكويت جهوداً حثيثة، لإغلاق ملفاتها من خلال وساطته، ومساعيه الحكيمة لتقريب المسافات البعيدة بين مسقط وأبوظبي.
.. وحتى الآن لم تستطع أي مغسلة تعمل بنظام «دراي كلين» في عاصمة الإمارات، أن تغسل بالبخار آثار الغبار، الذي أحدثته تلك الفضيحة المدوية، وتفاصيلها المؤذية، باعتبارها تشكل نقطة سوداء في تاريخ العلاقات السياسية غير الودية لدولة الإمارات مع جيرانها.
.. وما من شك في أن كبار المسؤولين الإماراتيين الذين خططوا لعملية «القرصنة الإلكترونية» ضد قطر، وكشفت مؤامرتهم صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن مصادر في الاستخبارات الأميركية، ليسوا أعلى شأناً من «الرئيس نيكسون»، وسيكون مصيرهم كمصيره.
.. وبحكم تجربتي الصحفية، وخبراتي المهنية، التي يعرفها الدكتور أنور قرقاش، أود تعريف من لا يعرف أن صحيفة «واشنطن بوست» هي الأكثر انتشاراً في العاصمة الأميركية، وهي متخصصة في متابعـــة القضـــايــا ذات الصـــلة بملفـــات «البيت الأبيض» والكونغرس والحكومة، وتتبنـــى دائماً الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة وخارجها.
.. ولديها دائما موقفها الواضح، وخطها الناضح المدافع عن الحريات، في حال تقاطعها مع السياسة الخارجية الأميركية، وعندما أشير إلى دفاعها عن الحرية لا أقصد بذلك «الحرية الخالدة» في اسم الرمز الإماراتي «خالد حرية»!
.. وفي سياق الحرية الصحفية التي أقصدها، ونجحت صحيفة «واشنطن بوست» في ترسيخها، عبر مسيرتها الطويلة، وإنجـــازاتهــــا الجليـــلة، يضـــم رصيــــــدها الهائــــل من النجاحات والإنجازات التي حققتها بجدارة، حصولها على 47 جائـــزة مرمـــوقة مــن «جوائـــز بوليتزر»، التي تمنح للأعمال الصحفية المميزة.
.. وما من شك في أن تلك الجوائز ما كان لها أن تتحقــق لولا احترام تلك الصحيفة لمبدأ الأمانة الصحفية، مما ساهم في احترام القراء لها، والثقة بها، وتفضيلها كمصدر من مصادر المعلومات الدقيقة، مقارنة بغيرها من الصحف.
.. ولعل ما زاد من شهرتها، وعزز مكانتها، وساهم في علو كعبها، وارتفاع شأنها، لتواصل اعتلاء هرم الصحافة الأميركية، نجاحها في كشف أسرار فضيحة «ووترغيت»، التي تعد من أشهر القضايا السياسية في تاريخ الولايات المتحدة، عندما قام الكاتب والصحفي المشـــهور «بوب وودورد» صــاحب كتاب «حـــالة انكـــار»، وزميـــله «كــــارل بيرنشتاين»، بكــشف خيـــوط تـــلك الفضيـــحة الرئاسيـــة، المتعلقة بقيـــــام الرئيـــس الأميركي السابع والثلاثين بوضع أجهـــزة تنصـــت في مكاتب الحزب الديمقراطي، داخل مجمع «ووترغيت»، وتسجيل 65 مكالمة لأعضاء الحزب المنافس!
.. ودون الحاجة إلى وضع أجهزة تنصت أو تجسس، كما فعلت أبوظبي في مسقط، يعلم الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات، بحكم دراسته في الولايات المتحدة، مكانة صحيفة «واشنطن بوست»، ومصداقيتها، وأنها لا تدار على غرار صحيفة «الاتحاد» الصادرة في أبوظبي!
.. ولهذا لن يجدي قيامه بتكذيب الخبر المتعلق بتورط بلاده في فضيحة «القرصنة الإلكترونية»، التي تعرضت لها مواقع رسمية قطرية.
.. وتعد هذه العملية الإجرامية غير المسبوقة التي تعرضت لها بعض مواقعنا الحيوية، بمثابة «جريمة العصر» في قطر، بل هي جريمة لا تغتفر، ضد قيادتنا وحكومتنا وشعبنا، وضد الأهداف التي قام عليها «مجلس التعاون» لدول الخليج العربية، وضد العلاقات الأخوية التي تم ضربها عرض حوائط وجدران وطوابق «برج خليفة»!
.. وما من شك في أن تورط الإمارات في ارتكاب جريمة بهذا المستوى غير الأخوي، وغير الأخلاقي، وغير الحضاري، وغير القانوني، يشكل نوعاً خبيثاً من «الجريمة المنظمة» الكاملة الأركان، مما يستدعي ضرورة تحريك الإجراءات القانونية الرادعة بحق مرتكبيها، وفرض العقوبات على مموليها، ومعاقبة المحرضين عليها، المخططين لها، لا سيما أنها استهدفت الإضرار بأعلى سلطة في دولتنا، وهو رمزنا حضرة صاحب الســــمو الشــيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، ونصره على كافة الأعداء.
.. وبطبيعة الحال ينبغي على المجتمع الدولي، عبر مؤسساته المعنية، وهيئاته الدولية، أن يتوحد ضد أي دولة توفر البيئة الحاضنة أو المشــــــجعة أو الممـــــولة لتـــلك الاعتـــــداءات الإلكترونيــــة، التــــــي لا تقل في خطورتها عن الأعمال الإرهابية، ولا بد من مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة المتصاعدة مثل تصاعد ظاهرة الإرهاب.
.. ولا يحتاج الأمر إلى إثبات بأن عمليات القرصنة الإلكترونية لها إرهابها و«ذئابها المنفردة»، التي تهدد العلاقات الدولية، وتعرض الأمن والسلم الدوليين للكثير من المخاطر والتحديات والتهديدات، من خلال ولوج «القراصنة» وأشباحهم إلى حواسيب الآخرين، والعبث بمحتوياتها، والتلاعب بها داخل فضاء ذلك العالم الافتراضي، وتحويله إلى «عالم إرهابي».
.. ومن خلال تلك العمليات الإجرامية يتضح أن الحروب بين الدول لم تعد تقتصر على استخدام قواتها العسكرية، في الهجوم المباشر على المواقع المادية المستهدفة، ولكن مع تطور مستويات الصراعات الدولية تم استخدام الوسائل الإلكترونية للإضرار بمصالح أي دولة، من خلال شن هجمات مبرمجة، على مواقعها، وبياناتها، وبرمجياتها، لإحداث الفوضى في أوساطها، وذلك بتدمير نظمها المعلوماتية، أو تمرير بيانات غير صحيحة، مثــلمــــا حــــــدث في عمليــــــة القرصـــــنة التـــي اســــتهدفت موقع وكالة الأنباء القطرية، وعدداً من المواقع الرسمية الأخرى.
.. والمؤسف أن يلعب مسؤولون كبار في الإمارات ألعاباً صبيانية ــ ولا أقول قرصانية ــ مثل الصغار، وكأنهم يلعبون لعبة مسلية على جهاز «بلاي ستيشن»، أو غيره من ألعاب المراهقين، فيقومون بالتخطيط لذلك العدوان الإلكتروني الخبيث، الذي يشكل انتهاكاً للقيم والمبادئ التي قام على أساسها «مجلس التعاون»، مما يستدعي ضرورة تعقب أولئك المخربين، ومعاقبتهم وفقاً لقواعد القانون الدولي.
.. وما من شك في أن اللعبة القذرة التي قام بها بعض المسؤولين في الإمارات ضد قطر ينبغي مواجهتها على أساس مواد القانون، باعتبار أن «القرصنة الإلكترونية» تعد عملاً «إرهــابيـــاً»، لا يختــلف عن الإرهـــاب الــدولـــي، لأنهـــا تهــدد الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، ولهذا ينبغي ملاحقة مرتكبيها، ومحاسبتهم جنائياً عن طريق الجهات القانونية المختصة.
لقد أصبحت المواقع الإلكترونية ميداناً لصراعات من أنواع جديدة، تحمل كل أشكال الدمار والأضرار، من خلال قيام «قراصنتها الإرهابيين» بعمليات الاختراق أو «القرصنة» أو التجسس، بعيداً عن ساحات «الإرهاب» المكشوفة، أو جبهاتها المستهدفة، التي تدوي فيها تفجيرات الأحزمة الناسفة، أو طلقات الرصاص.
.. ورغــــــم أن هجمــــات المواقــــع الإلكترونيــــة لا تخلـــف جثثاً ودماء وأشلاء، لكن اختراقها يحدث أضرارا معنوية هائلة، وخسائر سياسية واقتصادية واجتماعية، كما حدث في عملية الاختراق التي تعرضت لها العديد من المواقع القطرية، بإيعاز وتوجيه وتخطيط من جهات إماراتية.
.. ورغم الأضرار السياسية التي سببتها تلك «العملية الإرهابية»، لا يمكن تجاهل المكسب الكبير الذي حققته قطر من خلال الخبر الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، وكشفت من خلاله حقيقة المؤامرة التي تعرضت لها دولتنا من المتحالفين ضدها.
.. ولعل المكسب الكبير يكمن في نقل الموقف القطري من حالة الدفاع والتبرير، إلى الهجوم القانوني المنظم على «القراصنة»، المتورطين في عملية القرصنة الإلكترونية، التي استهدفت المواقع الرسمية القطرية، مما تسبب في اندلاع الأزمة الخليجية الراهنة.
.. وعلى وقع هذه الأزمة وتطوراتها ومستجداتها المتصاعدة يستطيع الممثل الأميركي «جوني ديب» إنتاج الجزء السادس من سلسلة أفلام «قراصنة الكاريبي»، خاصة أن «أشباح القراصنة» الأكثر خبثاً، والأشد ضرراً، والأكبر خطراً في العالم، موجودون حالياً في الخليج العربي وبالتحديد في أبو ظبي!
.. ومن المؤكد أن الفيلم المقترح سيحقق أعلى الإيرادات إذا كان اســمه «قراصنة الإمـــــــارات.. انتقــــام سالازار»، وهــــو بطـــــل الجــزء الخامس في السلسلة المذكورة، ولا أعني بذلك انتقام قطر!
مع ضـــرورة أن يتـــم في نهايـــة الفيـــلم كشــف هويـــة «كبــار المسؤولين»، الذين خططوا لذلك العمـــل المشين، الذين أشـــارت إليهـــم صحيفة «واشــــنطن بوســـت» وفي مقدمتهم القرصان الإماراتي غريب الأطوار «جاك سبارو»، الذي قاد عملية «القرصنة الإلكترونية»، ضد قطر، وقام بتمويلها والتخطيط لها، في ليلة ليلاء، وبطريقة يترفع عنها ألد الأعداء!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي