كتاب وأراء

لو كانت قطر دولة «إرهابية».. لما وقعت معها واشنطن «مذكرة التفاهم»

أياديهم ملطخة بالدماء.. ويتهموننا بدعم «الإرهاب»

أياديهم ملطخة بالدماء.. ويتهموننا بدعم «الإرهاب»

قرأت كل التصريحات التي أدلى بها «ريكس تيلرسون» وزير الخارجية الأميركي خلال جولته الحالية في عواصم المنطقة، وآخرها ما أعلنه خلال مؤتمره الصحفي في الدوحة مع نظيره سعادة الشيخ
محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، لكن ما استوقفني كثيراً، إعلانه أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى هو أول زعيم خليجي تجاوب مع مخرجات قمة الرياض، التي عقدت في شهر مايو الماضي، لمكافحة «الإرهاب»، مشيداً بدور قطر في محاربة هذه الظاهرة العالمية.
.. ولا جدال في أن قطر كعضو فاعل في محيطها الدولي لا تألو جهداً على المستوى الإقليمي أو العالمي في مكافحة الإرهاب، بصفتها طرفا فاعلا من أطراف التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش»، أو غيره من التنظيمات الإرهابية.
.. وعلى هذا الأساس، فقد أولت الدوحة قضية مكافحة الإرهاب اهتماماً بالغاً على جميع المستويات، وقامت بخطوات جادة، لمحاربة هذه الظاهرة، وأسهمت بفاعلية في التصدي لها، وفق الأنظمة الأممية، إيماناً منها بخطورة هذه المعضلة الدولية.
لقد عكست مذكرة التفاهم الموقعة بين الدوحة وواشنطن التعاون القطري الوثيق مع الإدارة الأميركية، بشأن «مكافحة الإرهاب»، خاصة عندما نعلم أن قطر أول دولة في الشرق الأوسط توقع على البرنامج التنفيذي المرتبط بمذكرة التفاهم التي تم توقيعها، لتصب في مخرجات قمة الرياض الأخيرة.
.. وعندما يعلن وزير الخارجية الأميركي، في مؤتمره الصحفي، أن قطر أول دولة تجاوبت مع مخرجات القمة المذكورة، وقامت بتطبيق مقرراتها، فهذا يعني أن السياسة القطرية تقوم على الأفعال، وليس الأقوال أو الانفعال، مثلما تفعل دول «التحالف الرباعي».
.. وما من شك في أن مواقف دولتنا بخصوص مكافحة الإرهاب معلنة، وجهودها واضحة، حيث قامت بإدانة الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها العديد من الدول، وعبرت عن استنكارها لجميع أشكالها، وكل مظاهرها وكافة مصادرها، وعملت على تعزيز الوقاية منها، ودعت إلى اقتلاع جذورها، وتجفيف منابعها الفكرية والمالية.
.. وبعيداً عن الاتهامات الباطلة، التي تروجها «الدول الأربع» المتآمرة ضد قطر، فقد جاءت «مذكرة التفاهم» التي وقعها وزير الخارجية مع نظيره الأميركي، لتدحض كل مزاعمهم وتبطل كل ادعاءاتهم.
لقد نجحت قطر من خلال هذا الاتفاق، الذي تم الإعداد له منذ شهور طويلة، في تسجيل اعتراف الدولة العظمى، التي تقود الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، وحجزت معها مقعداً في مقدمة الصفوف، قبل غيرها من دول المنطقة.
.. ولا جدال في أن هذا الاتفاق هو أكثر بكثير من مجرد ورقة، وأكبر من مجموعة أوراق، فهو عبارة عن «اتفاقية استراتيجية» تضع الإطار أو البرواز، لإبراز دور قطر الفاعل وموقفها المتفاعل، في حملة «مكافحة الإرهاب» التي تقودها الولايات المتحدة.
.. ولو كانت قطر «دولة إرهابية»، كما يزعمون، لما تم توقيع الاتفاقية معها، ولو كانت تدعم «الإرهاب» كما يروجون، لما أشاد وزير الخارجية الأميركي بدورها في مكافحة هذه الظاهرة العالمية.
.. وما من شك في أن الكلمات التي كُتبت بها بنود الاتفاقية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، تمت صياغتها بإرادة القطريين، لتعكس حرصهم على مكافحة الإرهاب، الذي يتطلب موقفاً جماعياً،
وإجماعاً إقليمياً، وتجاوباً دولياً.
.. وتعكس «مذكرة التفاهم» الموقعة مع واشنطن، فيما تعكسه، التزام قطر الدائم وحرصها الداعم لجميع الأنشطة الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، سواء في الإطار الثنائي مع الولايات المتحدة، أو تحت مظلة الأمم المتحدة.
.. وتحت سقف المظلة القطرية، أثبتت قطر من خلال اتفاقها الموقع مع وزير الخارجية الأميركي، أنها تسير وفق رؤية واضحة، وخطة مدروسة في حربها ضد الظاهرة الإرهابية، تستوعب حتى منتقديها، الذين لم يعد بمقدورهم الادعاء بأن الدوحة «تدعم الإرهاب».
.. ومن الواضح أن دول التحالف المتآمرة ضد قطر، هي أكثر الأطراف المتوترة، بل المأزومة من هذا الاتفاق، الذي أثبت قدرة الدبلوماسية القطرية على كسب ثقة المجتمع الدولي.
.. ولعل هذا التأزم يتضح جلياً في مقال عبدالرحمن الراشد «المأزوم»، المنشور أمس، في صحيفة (الشرق الأوسط)، الذي عبر عن إحباطه من موقف الوزير «ريكس تيلرسون»، متهماً إياه بالميل للجانب القطري، على حد تعبيره، ناسياً أنه يتحدث عن وزير خارجية الولايات المتحدة، وليس وزيراً من موريشيوس أو جزر القمر، حتى يتهمه بالانعطاف،
يميناً أو يساراً، ويغير اتجاهه من قطر نحو الظهران أو الخبر!
يقول الكاتب السعودي إن التصريحات والإيماءات في كلمة وزير الخارجية الأميركي، في مؤتمره الصحفي، في الدوحة، لا تشجع على التفاؤل، بل تعكس تبسيطاً منه للمشكلة، حيث اختصر الحل بتوقيع مذكرة، تعهدت فيها حكومة الدوحة بمحاربة الإرهاب، ويضيف متهكماً «يا له من إنجاز»!
.. وأرد عليه بأن «تيلرسون» حقق «إنجازاً في قطر» يخرس الألسن.
لقد ادعى الكاتب السعودي «المأزوم»، أن «القطريين حاولوا التلاعب بالوزير الأميركي، بتضييع أسباب الخلاف الحقيقية»، وينسى أن دول «التحالف الرباعي» يتلاعبون بشعوبهم، ويقلبون الحقائق، ويضللون الرأي العام، ويكذبون على مواطنيهم.
.. ورغم كل أكاذيبهم، فقد جسَّد سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني أخلاق القطريين، عندما دعا بلغة الدبلوماسي القطري الواثق، دول «التحالف الرباعي» للانضمام إلى «مذكرة التفاهم»، الموقعة مع واشنطن، بخصوص مكافحة الإرهاب، مما يعني إيمان قطر بأهمية التعاون الدولي لمواجهة هذه الظاهرة، وحرصها على تضافر الجهود الدولية لمحاربتها، حيث لا يمكن دحرها إلا من خلال تعزيز الشراكة بين جميع الدول، وحثها على مضاعفة جهودها، لاجتثاث الإرهاب من جذوره الراسخة في تربتها.
لقد أوضح وزير الخارجية الأميركي أن المذكرة القطرية ـ الأميركية الموقعة، ليست مرتبطة بالأزمة الحالية، وأنه تم بدء العمل على صياغتها منذ فترة طويلة، وأن مكوناتها الأساسية وضعت منذ سنة تقريباً، باستثناء اللمسات الأخيرة التي أضيفت على نصها النهائي، وهذا كله يعكس حرص قطر على مكافحة الإرهاب، قبل نشوب الأزمة الخليجية، وقبل أن يتم اتهامها بعكس ذلك من طرف المتآمرين عليها.
.. والمؤسف أن «الدول الأربع» المتحالفة ضد قطر وجهت اتهاماتها من كل صوب وحدب باتجاه الدوحة، في محاولة لإلصاق تلك التهمة عليها، دون إيضاح أو توضيح مفهومها لذلك «الإرهاب الموهوم»، وحتى الآن لا يوجد في قاموسهم تعريف جامع مانع لذلك الاتهام المزعوم.
.. والملاحظ أن كل دولة من دول التحالف الرباعي تفسر الإرهاب كما يحلو لها، وبما يتفق مع سياساتها ويتلاءم مع مصالحها، سواء وافق المعنى الصحيح لتلك الظاهرة أم تقاطع معها.
.. وينبغي على دول التحالف، قبل توجيه اتهاماتها إلى قطر، وصف وضبط وتحديد «ماهية الإرهاب»، حتى لا يكون «الإرهابي» من وجهة نظرهم هو مناضل من أجل الحرية، يدافع عن قضيته الوطنية، بكل الوسائل السلمية.
لقد استهلكت دول التحالف المتآمر ضد قطر كثيراً من خطابها التحريضي، لإلصاق تهمة «دعم الإرهاب» بدولتنا، والغريب أنها لم تتفق حتى الآن فيما بينها على نوعية «الإرهاب» الذي يقصدونه، ومن الواضح أنهم سيدينون أنفسهم بأي تعريف يختارونه!
.. وتكفي الإشارة إلى تصريحات المسؤولين في الخارجية الأميركية الذين يؤكدون أن جميع دول التحالف الأربع أياديها غير نظيفة،
لأنها متورطة بشكل أو بآخر في دعم الظاهرة الإرهابية، مما يعني أنها ملطخة بدماء الأبرياء، وأنها تتحمل مسؤولية الأشلاء المتناثرة هنا وهناك!
.. وما من شك في أن كل دولة من دول «التحالف الرباعي» لها ملفها الإرهابي، الخاص بها، المتضمن انتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان، سواء ضد مواطنيها أو غيرهم، داخل حدودها أو خارجها.
.. وكل واحدة منها دعمت الإرهاب سواء على ساحاتها الداخلية أو الخارجية.
.. وكل واحدة من «الدول الأربع» مولت أو سهلت أو شجعت أو خططت أو دبرت أعمالاً إرهابية، من خلال تدخلها في شؤون غيرها، ولعل
الحالة اليمنية خير دليل على ذلك.
.. ولذلك جعلوا تهمة «الإرهاب» التي يوجهونها إلى الدوحة فضفاضة، لتتجه إلى الهدف الشيطاني الذي يريدون الوصول إليه، وهو
تشويه صورة قطر في نظر عامة الناس، وتخوينها، وتخويف الآخرين من التجربة القطرية الناجحة في كافة المضامين وفي جميع الميادين.
.. ولعل أشد أنواع الإرهاب ضراوة هو «إرهاب الدولة» الذي تمارسه «الدول الأربع» ضد مواطنيها، ويكفي للتأكيد على ذلك،
عدم احترامهم لحقوق مواطنيهم، حيث قاموا بمنعهم من التعبير حتى عن تعاطفهم مع قطر!
.. ولو كان موقفهم سليما، لما قاموا باتخاذ تلك الإجراءات التعسفية، عبر تجريم وتحريم وتغريم من يعبر عن تعاطفه مع قطر في أوساطهم، حتى في وسائط التواصل الاجتماعي، مما يتعارض مع أبسط حقوق الإنسان.
.. ومشكلتهم أنهم يديرون دولهم بعقلية «العصور الجاهلية»، مثلما كان يفعل «أبو جهل» وحليفه «أبو لهب»، دون مراعاة المتغيرات الدولية، والمستجدات السياسية، والتطورات الإعلامية والمتطلبات الحقوقية، التي جعلت المواطن الخليجي يعرف ماذا يدور حوله، مما يجعله قادراً على التمييز بين الحق والباطل، واتخاذ مواقفه، وفقاً لقناعاته الشخصية.
لقد حاولوا بشتى الوسائل البائسة تشويه صورة قطر، والإضرار بسمعتها، ولم يسلم من اتهاماتهم الباطلة حتى «ملفها المونديالي»، وجاءت المواقف الدولية الداعمة للموقف القطري لتدحض ادعاءاتهم، التي لا تعدو أن تكون كذبة كبرى، نفخوا فيها وأطلقوها، وروجوا لها، وهيّجوا الرأي العام بخصوصها، وصدقوها!
.. والملاحظ أن كل اتهاماتهم الموجهة إلى قطر بخصوص ما يسمونه «دعم الإرهاب» تخلو من الأدلة، ومن تعريفه تعريفاً دقيقاً لا يختلف عليه أحد، حتى يستطيع المتابع لحملاتهم التحريضية أن يفرق بينه وبين غيره.
.. وعلى سبيل المثال، نجدهم يصنفون «الإخوان» بأنهم «تنظيم إرهابي»، لإرضاء حليفهم «السيسي»، في حين نجد أن العديد من وزرائهم ونوابهم وكوادرهم ومواطنيهم ينتمون إلى «الفكر الإخواني»، أو يتعاطفون مع تلك «الجماعة» التي لها حضورها في مؤسساتهم وبيوتهم وعائلاتهم و«جيوشهم»، لدرجة أن واشنطن لا تستطيع اتهام منسوبيها بتهمة «الإرهاب».
.. والمؤسف أن دول «التحالف الرباعي» تتعامل مع هذه التهمة بمعايير مزدوجة، انطلاقاً من مصالحها، أو وفق أجنداتها الخاصة، دون الاعتراف بأن الظاهرة الإرهابية أصبحت عالمية، وأن قطر التي يتهمونها بدعم «الإرهاب»، مستهدفة بمواقفهم الإرهابية، التي
تهدد أمنها وتقوض استقرارها.
.. وفي الوقت الذي تجاوز فيه الإرهاب حدود الدول، وتغلغل في علاقاتها، وتوغل في مكوناتها، وتغول في كياناتها، من غير المقبول أن تكون معايير «الدول الأربع» مزدوجة، عبر توجيهها اتهامات باطلة ضد قطر، تستند فيها على ادعاءات بلا أدلة، ولهذا لا تستحق مجرد النظر إليها، أو البحث فيها.
لقد أدى اختلاف النظرة معهم في مسألة تعريف الإرهاب إلى صعوبة التفاهم معهم، على كيفية مواجهته، والتصدي إلى شروره.
.. ولا جدال في أن الاتفاق معهم على وضع تعريف محدد لمفهوم «الإرهاب» يعد من المعضلات الكبرى، ناهيك عن المشكلة في إيجاد تعريف مشترك لكلمات مثل «المقاومة الوطنية»، أو «النضال المشروع»، أو التحرر والتحرير ــ لا أقصد ميدان التحرير ــ حيث تختلف معانيها في قاموسهم السياسي، وتتقاطع معاييرها، وتتشابك أساليب استخدامها، وفقاً لمصالحهم السياسية، وآرائهم الشخصية.
.. ولهذا أخشى ما أخشاه، أن تصل بهم الأمور إلى درجة أن يعلنوا صراحة بأن نضال الفلسطينيين، دفاعاً عن حقوقهم المشروعة، واسترجاع بلادهم المنهوبة، وعودة أرضهم المغتصبة، وإقامة
دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس المحتلة، هو «إرهاب فلسطيني» ضد الاحتلال الإسرائيلي!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي