كتاب وأراء

دهس المسلمين

«يمكنك أن تصفه بالمكتئب أو المختل أو حتى المجنون، وربما يسمح لي ولك، ومن على شاكلتنا من العرب والمسلمين أن ننعته بالقاتل. لكن إياك أن تسبق اسمه بكلمة «انتحاري»، أما أن تسول لك– ولي– أنفسنا بأن نقول عنه إنه «إرهابي»، فذلك دونه- خرط القتاد- فالرجل ليس محمدا ولا عبدالله ولا عمر ولا حسن.. إلخ، وهذا أيضا يكفي.. بل ويكفي جدا لأن يكون مبرأ من تهمة الإرهاب. وإذا أضفت إلى الاسم أن الرجل مسيحي الديانة.. كما أن بياض بشرته وزرقة عينيه وصفرة شعره، جميعها تقطع بأنه أوروبي ابن أوروبي، ومن نسل أوروبيين خلص، تحولت التبرئة من الإرهاب إلى التنزيه عنه».
كتبت هذه الكلمات، في مايو من العام الماضي، عندما أسقط مساعد طيار طائرة جيرمان وينغز الالمانية، فوق جبال الألب، الحادث راح ضحيته، 150 شخصا، وذلك عندما كان أول ما سارعت إليه الصحف الأوروبية، والبيانات الرسمية، هي إبراء مساعد الطيار– مرتكب الجريمة– من الإرهاب، وانه لم يفعل فعلته المتعمدة، إلا بسبب حالته النفسية السيئة، ذلك فقط لأن المساعد اسمه «اندرياس لوبيتز»، أي انه أوروبي الجنسية، ومسيحي العقيدة، ومن ثم فإن اتهامه بالإرهاب، دونه خرط القتاد.
يمكنك الآن أن تعيد نفس التوصيفات مع تغيير طفيف لذر الرماد في العيون، وهو جريمة «القتل المرتبط بالإرهاب ومحاولة القتل»، التي وجهتها النيابة البريطانية، لقاتل المصلين في مسجد دار الرعاية في لندن، فالمتهم اسمه دارين اوزبورن، انجليزي «اصلي» من ويلز، وبالتالي فإن نعته وجنسيته وديانته بالإرهاب، اقرب إلى المستحيل، فهو ليس عربيا مسلما ولا من اصول عربية أو مسلمة.
اللافت والشاهد في واقعة الدهس بحق المسلمين في بريطانيا أن الإعلام الغربي لم يصفها بالإرهابية على العكس من أية جريمة ينفذها أي منتم للإسلام بأية صورة، بل ان المسلمين هم اول من يبادرون إلى تجريمه، ونعته بالإرهاب والانتماء إلى جماعة إرهابية.
وفي حين ان كل المراجع والدول الإسلامية، تسارع بإدانة أية حادثة إرهابية في الغرب لم نسمع صوتاً غربياً لإدانة دهس المسلمين، فالفاتيكان والبابا صامتان، والكنيسة الشرقية لم تأت على ذكر الجريمة الإرهابية بكلمة.
حينما اثرت مع صديق هذه الملاحظات، التي يشاركني فيها، قال.. اخشى ان تكون تلك بداية لمرحلة دهس المسلمين في الغرب كما يدهسون اليوم في مختلف البلدان الإسلامية المشتعلة بالصراعات والحروب؟.. وهو ما أشاركه فيه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى