كتاب وأراء

الوصاية مرفوضة


عندما قرأت ما يسمى بلائحة مطالب دول الحصار من قطر، كان أول ما خطر على ذهني، هو أن من أعد اللائحة السخيفة، يجهل القراءة والكتابة، ليس بسبب الصياغة الركيكة للقائمة المأفونة، وإنما لأن من أعدها، لو كان يقرأ الصحف أو حتى يشاهد أو يسمع الفضائيات الإخبارية، لعادت إلى ذهنة تلك العبارة الواضحة القاطعة، التي قالتها قطر، منذ أول أيام حصارهم الغاشم، «الوصاية مرفوضة». فلو أنه قرأ ما قالته قطر بعدة تعبيرات وصياغات، جميعها يصب في خانة التمسك بالسيادة، ورفض الخضوع للإملاءات، لوفر على نفسه جهد الكتابة، ومشقة التحول إلى مادة للسخرية، ولما أتحفنا بقائمته.
عموما الأمر ليس كله شرا.. «لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم» (النور 11)، فقائمة الجهالة، التي تريد فرض وصايتها على قطر ذات السيادة والاستقلال، والرأس المرفوع، هي دليل جديد، على سواد نية دول الحصار، ورغبتهم في التصعيد، ورفضهم للوساطات، ولكل الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر، والوصول إلى تسوية للأزمة المفتعلة.
تلك القائمة «العار»، دليل جديد على أن من اخترقوا وكالة الأنباء القطرية وقرصنوها، وبثوا تصريحات مكذوبة، ناسبين إياها إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لم يفعلوا ذلك إلا بهدف الوصول إلى تلك المرحلة. فالذين لم تخجلهم القرصنة الإجرامية، ونسب تصريحات مزورة إلى أميرنا المفدى، وإطلاق آلة البذاءات الإعلامية الحقيرة ضد وطننا، لن يتورعوا عن إعداد مثل تلك القائمة، التي لا أرى لها مكانا إلا سلة المهملات.
لكن ولأنهم موتورون خبثاء، فقد تناسوا عن جهل، أو عن عمد، أنهم يتعاملون مع دولة ذات سيادة لا تساوم عليها، وإرادة لا تهزها الضغوط، ولا تنال من عزيمتها التهديدات مهما بلغت.
لقد أصابهم فشل حصارهم اللاإنساني في مقتل، وجعلهم يتخبطون كالذي مسه الشيطان، وعندما رأوا أن حياة القطريين، وكل من يعيش على أرض قطر، تمضي في سلاسة وهدوء، وتتوافر في أسواقهم كل ما يريدون، والعالم كله يدين جرائمهم وانتهاكاتهم، ضد مواطنيهم وضد المواطنين والأسر القطرية، ضربوا أخماسا في أسداس، فراحوا يقلبون في دفاتر أرشيفهم المفلس، عن إية إثارة يغبرون بها على ثوب قطر الناصع البياض، فأخرجوا من جعبتهم الخاوية، ما جعلهم أضحوكة بين الناس، شرقا وغربا، فانطلقوا إلى آخر ما في جعبتهم «قائمة سلة المهملات».
لن أناقش بالطبع مواد تلك القائمة الثلاث عشرة، فهي والعدم بالنسبة لي، سواء بسواء، لكن من المهم أن أطرح على واضعيها بعضا من الملاحظات والاستفسارات، ليس بغرض التراجع عن قائمتهم، فتمسكهم، أو تراجعهم، لا يعنيني كمواطن قطري في شيء. فهناك شيء في العالم يسمى القانون الدولي، أشك ان واضعي «قائمة سلة المهملات» قد سمعوا عنه، لأنهم لو سمعوا لما سقطوا هذا السقوط المدوي، الذي ينطق به كل بند من بنودها الثلاثة عشر.
كما أنهم لم يسمعوا عن شيء يسمى سيادة الدول، وهو ما يعيدنا إلى الملاحظة الأولى، من أن من وضعوا اللائحة أو القائمة، يجهلون القراءة والكتابة، ويكتفون من التليفزيون بمشاهدة برامج الأطفال.
بالمناسبة حتى الأطفال، أصبحت لديهم الآن معلومات، تمكنهم من معرفة ما هو مقبول، وما يمكن الحوار والمناقشة حوله، وما هو مرفوض ابتداء، كقائمة السخف التي شملت مطالبهم.
من الملاحظات المهمة، أن القائمة قد حوت مطلبا بإغلاق قناة الجزيرة دعك من حكاية توابعها الإعلامية، وهو ما يؤكد ما قلناه من قبل، أن الجزيرة تمثل لدول الحصار كابوسا مرعبا، بما تكشفه من انتهاكاتهم وفظاعاتهم، واختراقهم الدائم للقانون الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة، في أوطانهم وخارجها، ويؤكد مجددا أن هؤلاء يعانون من ذلك المنبر الإعلامي العالمي الحر، شأن كل الطغاة والمستبدين.
بالقطع فإن كل ما حوته تلك القائمة المبتذلة، مردود عليه، بالقانون الدولي، ويمكن تفنيده بما يحعله مهترئا أكثر مما هو عليه الآن، كما أننا نستطيع وضع لائحة مماثلة، ونرد على كل مطلب بنظير له.
يا سادة.. من التسطيح والابتذال، أن يحكم التهور علاقات الدول، وأن تدير الرعونة ما ينشأ من أزمات بينها، حتى وإن كانت هذه الأزمات مفتعلة ونوايا أصحابها مبيته.
وما تلك القائمة إلا فصل جديد من فصول التهور والرعونة، والجهل القانوني والسياسي، وهي مرحلة كنّا نتعشم أن القوم قد تجاوزوها، وأنهم سيديرون أزمتهم المفتعلة بقليل من النضج الحكمة.. لكن من أين يأتيهم؟
ختاما.. من المهم أن نذكر من أصابهم «الزهايمر» السياسي والقانوني، أن مثل تلك القوائم إنما يضعها المحتلون، وتستجيب لها مرغمة الدول المحتلة، وقطر بقيادتها وأبنائها، لا تعتدي على سيادة أحد وعصية على التنازل عن سيادتها.
سنكررها على مسامعكم علكم تسمعون، وعلى عقولكم ربما تفهمون، وعلى قلوبكم إن كنتم تفقهون.. الوصاية مرفوضة، وأي مطالب تنتقص من سيادة وطننا، لا مصير لها إلا «سلة المهملات».

بقلم : عبدالرحمن القحطاني
مساعد رئيس التحرير

عبدالرحمن القحطاني