كتاب وأراء

مراهقة سياسية

جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ...
وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ...
عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي
الأبيات الحكيمة السابقة منسوبة للإمام الشافعي رضي الله عنه.
وباعتبار أن الأزمة مع قطر، وما نتج عنها من قرارات حصار وتقطيع لأواصر الأسر والأرحام، وما أفرزته من أكاذيب وافتراءات وتزييف ضد وطننا، نوع من أنواع الشدة، فإنها قد تجاوزت في كشفها الفرز بين العدو والصديق، إلى تسليطها الضوء على عدد من الحقائق.
فشدتنا– حسب تعبير الامام الشافعي- لم نعرف بها العدو من الصديق فقط، وإنما كشفت أيضا المنافقين الذين كانوا يدعون الصداقة والود، من أولئك الذين سخرت مؤسساتنا الخيرية جهودها على مدار سنين، لإغاثتهم والتخفيف عن مواطنيهم. نقول ذلك بلا منّ ولا أذى، فنحن لم نفعل الخير منتظرين جزاء أو شكورا، وإنما نقوله تعبيرا عن صدمة إنسانية، أن يتفق ويتوافق المستقبلون لتلك المساعدات على كذبة تصنيف عدد من مؤسساتنا الخيرية، ذات الأيادي البيضاء على مواطنيهم، في خانة المؤسسات الإرهابية، بحسب قائمة المحور الرباعي المفلسة، والتي نقضتها الأمم المتحدة نفسها.
من أبرز ما كشفته أيضا تلك الأزمة، أو الشدة، أنها رسخت لدينا مزيدا من الثقة اللامتناهية في قدراتنا السياسية والدبلوماسية، هذه القدرات التي استطاعت بحنكة وهدوء، أن تتجاوز الحملة المسعورة، وتتواصل بمنتهى الحكمة مع العواصم المؤثرة في العالم، كاشفة عن أضاليل وأكاذيب المدعين، لتكسب مزيدا من التأييد لمواقف وطننا الناصعة.
هناك أيضا ذلك التحرك الحضاري الواثق، الذي قامت به اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، فتلك واحدة من أبرز ما كشفت عنه الأزمة، إذ لم يستغرق الأمر إلا ساعات قليلة بعد قرار الحصار الجائر، وكانت اللجنة حاضرة محليا وعالميا، لتكشف للعالم تلك الانتهاكات اللاإنسانية، التي ارتكبت بحق المواطنين القطريين، من قبل دول الحصار، ناهيك عن انتهاكاتهم لحقوق مواطنيهم أنفسهم، وهو ما حرك المؤسسات الحقوقية العالمية، لإدانة ذلك المسلك الذي، فضلا عن تعارضه مع قيم ديننا الحنيف وتقاليدنا العربية، فإنه يضرب بعرض الحائط، كل المواثيق والاتفاقات الدولية، وينتهك بسفور وفجاجة، القانون الدولي الإنساني.
لقد كشفت لنا الأزمة، أن ثمة حالة من المراهقة السياسية، يعاني منها عدد من السياسيين في منطقتنا، ولعل تلك المراهقة السياسية، قد تجلت على سبيل المثال، عندما وقف وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير في ألمانيا، بعد يومين من القرارات، وعندما تم توجيه سؤال له عما هو المطلوب من دولة قطر، ظهر الرجل، وبسبب المراهقة السياسية، في حالة من الارتباك عقدت لسانه، فلم يجد إلا الحديث عن وقف ما أسماه دعم قطر لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، ولأن الأمر لا يعدو كونه مراهقة سياسية، فقد تحول إلى الحديث في العاصمة الفرنسية باريس عن قناة الجزيرة، ولما انتقدت فرنسا التضييق على وسائل الإعلام.. ابتلع الدبلوماسي المحنك– أو من يفترض أن يكون كذلك- لسانه، الذي لو كان واثقا من معلوماته، متأكدا من اتهاماته، لما ارتبك.. إنها المراهقة السياسية.
كشفت لنا تلك الأزمة، أو الشدة، أن اقتصادنا أمتن وأقوى من أن يتأثر بمحاولات الحصار، أو مساعي الحصار والحظر، التي يبدو أن من اتخذوها كانوا يراهنون على انهيار غذائي على الأقل في البلاد، يربك القرار السياسي، فإذا بهم يفاجأون بأن قطر عصية على مثل تلك المحاولات المفلسة، وأن خياراتها الاستيرادية، وشراكاتها الاقتصادية متنوعة، ومنتجاتها الوطنية قادرة على إعمار أسواقها العامرة دائما. بل أستطيع أن أؤكد أن تلك الأزمة المفتعلة، كان لها أثر إيجابي على المنتج الوطني من جهة، ومن جهة ثانية على المستهلك في قطر، الذي تخلص من سيطرة بعض المنتجات التي ظننا لفترة طويلة أنها الأفضل، ولعلني لابد أن أطمئن في هذا السياق من يشغل نفسه بمعدة القطريين، وأقول له، إن الأمر الوحيد الذي لا يمكن أن نهضمه، هو محاولات السيطرة البائسة ومساعي الإخضاع الفاشلة.
أخيرا..
فقد عرفتنا تلك الشدة أن السياسيين لديهم حس كوميدي، وإن كان من نوعية الكوميديا السخيفة.. من عينة ما قاله وزير الخارجية السعودي، عن إمكانية إرسال مساعدات غذائية لدولة قطر.. وهو عرض لا نملك حياله إلا أن نكتم ضحكاتنا، ونمتنع، بسبب الشهر الفضيل، عن السخرية المستحقة، وعن تذكيره بموقع المواطن القطري من حيث الدخل عالميا، فكشف ادعاءاتهم لم يكن يحتاج جهازا لكشف الكذب فأوراقهم انكشفت وسقطت بسرعة!

بقلم : عبدالرحمن القحطاني
مساعد رئيس التحرير

عبدالرحمن القحطاني