كتاب وأراء

استقلال كردستان .. الحلم والواقعية
يجب أخذ العبرة من تجربة «جنوب السودان»

قررت الأحزاب الكردية بزعامة مسعود البارزاني تحديد يوم 25 سبتمبر 2017 موعداً لإجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق وانفصاله عن بغداد. ولا شك أنه في ظل الاستنفار الاتني والتطورات الدراماتيكية والانقلابات الحاصلة في المنطقة. المؤكد أن الاستفتاء سينال التأييد المطلق للأكراد اعتقاداً منهم أنه الطريق الوحيد الذي طال انتظاره لتحقيق الحلم الذي كان مستحيلاً بإقامة دولة مستقلة حرمهم منها التاريخ والجغرافيا وظلم الاتفاقات الدولية.
نعم من حق الأكراد أن يحلموا بدولة، ومن حق أي شعب أن يقرر مصيره، والاستفتاء حق ديمقراطي لا يمكن رفضه، ولكن هذا الحلم يجب ألاّ يكون بأي ثمن.. ذلك أن كل العلامات القائمة لا تبشر بالخير للإنسان في المنطقة برمتها، وكل الاحتمالات قائمة، سلباً أم إيجاباً رغم غياب المؤشرات الإيجابية والمعلن ليس كالمخفي والمجهول مظلم.
والخشية أن يكون الحماس تغلب على المنطق والحكمة، وأن يسبق ما هو شخصي الموضوعي ويكون الاستفتاء مجرد هدف شخصي صرف للسيد البارزاني بأن التاريخ سيسجل له أنه حقق حلم الأكراد بإقامة دولتهم المستقلة وكان أول رئيس لها.
وقد يكون الأكراد قد اختاروا المجازفة واستغلال لحظة تاريخية وهَنَ فيها العراق بكامله أمام كل التحديات ليأخذوا ما يريدون أخذه ثم ليعلنوا بعدها حدود دولتهم المنشودة ويضعوا العالم والإقليم أمام أمر واقع يغذيه ضعف الأداء لحكومة بغداد، لكن ظروف الاستقلال إذا لم تأت كما تشتهي سفن المستعجلين ستزرع إسفيناً في جذر الدولة الوليدة وتسبب فشلها وسترتد أسى ومعاناة على الأكراد، والتجربة القريبة في جنوب السودان شاهد ماثل تجدر معاينته.
التناقضات الكردية- الكردية ما بين اربيل والسليمانية والتي مزجت ما بين السياسي والعشائري وأوقعت صدامات دموية، لاتزال قائمة ونارها كامنة تحت الرماد وإن كانت مؤجلة الآن. وفي حال نالت القومية الكردية مرادها فماذا عن حقوق القوميات المتآخية والمناضلة والمضحية إلى جانبها عبر قرن كامل، وخصوصاً السريان والأرمن والآشوريين والكلدان؟ هل دول الجوار سوف توافق على استقلال كردستان بما فيها النظام العراقي؟
الرد التركي جاء مدوياً، وموقف أنقرة ليس وليد اللحظة، بل إنه تاريخي في بلد يكون الأكراد 20 في المائة من جملة سكانه. ويشهد صراعاً بين الأكراد والحكومة، ومع تطور الحرب في سوريا والانتشار العسكري الكردي الواسع على المقلب السوري من الحدود السورية ووصوله إلى الرقة جعل أنقرة أشبه ببرميل بارود من الغضب، والموقف الإيراني من المسألة الكردية ليس أقل حدة وتوتراً، لأن طهران أيضاً تخشى أن تشجع خطوة أكراد العراق أكرادها على المطالبة بالمزيد من الحقوق في ظل استنفار إقليمي وأميركي حاد ضدها. حتى واشنطن صديقة الأكراد وحليفتهم عبرت بلسان وزارة خارجيتها عن الحذر من أن تؤدي خطوة اربيل إلى صرف الانتباه عن «أولويات أكثر إلحاحاً» مثل هزيمة متشددي «تنظيم داعش»، وإلى هز ما بقي من استقرار في العراق عبر نزاع عسكري بين الإقليم والحكومة المركزية، كما تخشى هي وغيرها من الدول الكبرى من عدوى خطوات الانفصال في الشرق الأوسط والعالم.
الأحلام والأمل شيء، والعمل وفق الممكن شيء آخر. والأرجح أن الوضع الحالي غير ملائم أبداً، بسبب الصراعات الداخلية، ناهيك عن الصراعات الإقليمية والمناطقية التي ليست لها حدود، بالإضافة إلى الوضع الدولي العام الذي لا يبشر بالخير.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية