كتاب وأراء

لنحترم الشباب ونحتويهم أيضا

«لقد عمل على التصدي للفيروس في غرفة مع أصدقائه بينما كانوا يتناولون البيتزا».. هكذا قالت صحيفة التلغراف، عن ذلك الشاب الذي أنقذ نظام التأمين الصحي، ومن ثم أنقذ آلاف المرضى في بريطانيا.
الشاب هو ماركوس هاشينز، الذي تصدرت صورته الصفحات الأولى من الصحف العالمية الأسبوع الماضي، يبلغ من العمر 22 عاما، واستطاع أن يتصدى لرعب فيروس «الفدية» الإلكتروني الذي جعل العالم يقف على أطراف أصابعه، وعطل نحو 300 ألف سيرفر في حوالي 150 دولة، وأوقف مستشفيات وشركات ومصانع كبرى حول العالم عن العمل.
الشاب الإنجليزي هاشينز، وحسب ما نقلت التلغراف الإنجليزية من تفاصيل لحياته، ليس الأول على الثانوية العامة في بلاده. ولم يلتحق بطبيعة الحال أو يتخرج، من إحدى كليات القمة. لا يرتدي بذلة أنيقة «سنييه» ولا رابطة عنق تحمل ماركة عالمية. كما أنه قطعا لا يركب سيارة فاخرة موديل العام.
هاشينز الذي أنقذ العالم وحسب التلغراف، فقط يحب الكمبيوتر والإنترنت ويعمل في المجال الذي يحبه.
أثق أن في أوطاننا آلافا، بل مئات الآلاف من الشباب، من عينة الإنجليزي هاشينز، في جميع المجالات، لكن مشكلتهم الأساسية هي.. نحن.. أقصد جيل الآباء، المتمسك بالشكليات والمظاهر، دون اهتمام بملكات الأبناء وهواياتهم وقدراتهم.
فنحن نصر بمنتهى الاستبداد على تعليم تلقيني، وامتحانات تختبر الذاكرة. نصر على أن غاية المراد هو التحاق الأبناء، بما توارثنا تسميتها، بكليات القمة، لا لشيء إلا لينتشي الأب متفاخرا بين أصدقائه أن ابنه يدرس في كلية الطب مثلا، حتى وإن أصبح بعد التخرج مجرد رقم بين الأطباء.
نحن نحمل على شبابنا كثيرا.. فلم نسمع مثلا عن مؤتمر أو حلقة، توجه الآباء لما يجب أن يعاملوا به من خلقوا لغير زمانهم؟ بينما هناك العشرات من اللقاءات التي يتحدث فيها الكهول، عن ما يجب أن يكون عليه جيل يسبقهم في المعرفة على الأقل بعدة سنوات ضوئية.
أدري أن ثمة منفلتين من جيل الشباب، وآخرين مغرمين بالتقليد الأعمى لكل ما هو مستورد، لكن في المقابل هناك آلاف المبدعين والموهوبين المظلومين بسبب تكلس مجتمعاتنا. والخلاصة أن الفريق الأول يستأهل الاحتواء وليس الازدراء، والفريق الثاني يستحق الاحترام وتوفير الأجواء لإطلاق ملكاته وقدراته.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى