كتاب وأراء

المناطق الآمنة .. منازل في منتصف الطريق

اتفاق استانا يفترض انه خطوة نحو التهدئة ووقف النار، لكن لائحة الضحايا تواصل صعودها بشكل مطرد، ويزداد القلق على مصير المدنيين ووسائل حمايتهم وتأمين المساعدات الإنسانية للمحاصرين والبؤساء منهم.
الاقتراح الروسي باقامة مناطق منخفضة التوتر والذي نال موافقة إيران وتركيا، يحاكي فكرة المناطق الأمنة التي طرح الرئيس اردوغان عام 2012 اقامتها في شمال غرب سوريا، وتبناها ضمنا الرئيس ترامب وسوق لها وزير خارجيته تتوسع إلى مناطق جديدة داخل الخريطة السورية وخارجها.
الرئيس الاميركي الجديد الذي يعشق المبالغة في القول، وعد اثناء حملته الانتخابية بإقامة «منطقة آمنة جميلة وكبيرة» في سوريا. فهل يتحقق هذا الوعد؟ وهل المناطق الأمنة «جميلة» وآمنة فعلا؟
الفكرة جيدة ولو ان الاجراءات التنفيذية لاتزال مبهمة ان في موسكو اواشنطن أو في انقرة وطهران، فالواقع أكثر تعقيداً، والتجارب السابقة في هذا المضمار لاتطمئن. «المناطق الآمنة» نادرا ما تبقى آمنة، كما أن هذه المناطق غالبا ما تشكل مخاطر كبيرة على المدنيين المقيمين في داخلها. ففي حال غياب إجراءات الحماية الكافية، قد تصبح وعود السلامة أوهاما، فـ«المناطق الآمنة» تمثل منطقة جذب للمدنيين الذين يجازفون للوصول إلى ما يعتقدون أنه «ملاذ»، قبل أن يجدوا في كثير من الآحيان أنه سراب خطير. السجل التاريخي للمناطق الآمنة لايشرف في ما يتعلق بحماية المدنيين، من سريبرينيتشا في البوسنة والهرسك، إلى كيبيهو في رواندا، وصولا لمولايتيفو في سري لانكا.
لم تشهد أي منطقة آمنة نجاحا تاما لا لبس فيه، اما المنطقة الآمنة للنازحين الأكراد في شمال العراق فاججت جدلا لم يتوقف على مر السنين وربما كانت هذه الخطوة اللبنة الاساس لتقسيم هذا البلد.
سيتطلب إقامة «منطقة آمنة» في ظل صراع قائم تدخلاً عسكرياً لتطبيقه، وحماية النازحين المتجمعين بداخلها. ويثير ذلك تساؤلات في شأن من يمكن محضهم الثقة لحماية المدنيين في صراع معقد مثل الحرب السورية، حيث بدا من الواضح ان حماية المدنيين لا تمثل لا هما ولا أولوية للمتقاتلين في الميدان ولا للقوى الفاعلة الاقليمية والدولية التي تدير هذه الحرب بالاصالة وبالوكالة. ويبدو كذلك أن «مناطق الاستقرار الانتقالية»، التي يقترحها الوزير تيلرسون بهدف أساسي وهو أن تكون ملاذاً لعودة اللاجئين، تثير مخاوف من أنه يمكن استخدام هذه المناطق كوسيلة لكبح احلام اللاجئين الطامحين بالانتقال إلى دول اكثر آمنا بحثا عن مستقبل افضل، بمعنى اخر حرمانهم من حقهم بطلب اللجوء، وارغام من تمكن منهم من الهجرة بالعودة قسرا إلى جحيم الوطن المسبي وكوابيسه.
الدول الجوار التي تستضيف لاجئين من الجارة سوريا، لاسيما لبنان وتركيا والأردن، انهكت تحت وطأة لجوء اكثر من خمسة ملايين نازح، وهي لن تفوت فرصة لاعادة غالبية هؤلاء إلى داخل الحدود السورية بمجرد نطق الاعلان عن اقامة احزمة آمنة في وطنهم، وبما ان الحل السياسي المنشود الذي يراعي الهواجس وينزع المخاوف ويكفل حقوق كل المكونات لايزال بعيدا، وبما الوطن صار غريبا على ابنائه فان العودة طوعا غير مغرية ولا تشجع، لاسيما وان اعلان «المناطق الآمنة» ينطوي على خطر اعتبار المناطق الأخرى أهدافا مشروعة. وقد أظهرت التجارب السابقة في شأن الممرات الإنسانية في سوريا أن مبادرات الانتقال والنزوح يمكن استغلالها تماماً في إحراز تقدم عسكري بدلاً من تحقيق هدف إنساني، ويمكن أن تصبح ذريعة لتبرير عمليات القصف المتواصلة للمناطق التي يسيطر عليها المعارضون أو الخصوم.
المشكلة مع المناطق الآمنة تتلخص في كونها وسيلة لتحقيق غاية، وليست حالة دائمة في ذاتها، فإذا افترضنا أنه سيكون هناك اتفاق دولي على إنشاء مناطق آمنة في سوريا، وإذا كانت روسيا قادرة على إقناع نظام الأسد ليوافق على الفكرة، فإن هذه المناطق قد تصبح «منازل في منتصف الطريق»، لإعادة توطين ملايين السوريين القابعين في مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة، ما من شأنه تخفيف الضغط على الدول المضيفة، كما أنها قد تنجح في تقليل تدفق السوريين إلى أوروبا، لكنها أيضًا تعني تغيّرًا ديموغرافيًا في سوريا تترسخ خطوطه ومعالمه يوما بعد يوم.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية