كتاب وأراء

أحترمه كثيرا تقديرا لتصريحاته غير المسبوقة ضد الاستعمار الفرنسي

«إلى الأمام» مع «ماكرون» نحو «الإليزيه»

«إلى الأمام» مع «ماكرون» نحو «الإليزيه»

رغم أنني لست فرنسيا. .. ولست معنيا بشكل مباشر بنتائج انتخابات الرئاسة الفرنسية، لكنني أتمنى - لعدة أسباب - فــــــــوز المـــــرشـح الوســــطي «إيــــمانـــويـــل ماكرون» بذلك الاستحقاق الانتخابي، خاصة بعدما تصدر المرحلة الأولى، إثر حصوله على (24.01) في المائة من أصوات الناخبين، ليخوض دورة الإعادة في السابع من الشهر المقبل، مع مرشحة اليمين المتطرف «ماريان لوبان» الحاصلة على (21.30) في المائة من المؤيدين.
.. ولعل ما يدفعني إلى التعبير عن موقفي الداعي إلى التغيير في فرنسا، رغم أنني لا أتحدث بلغة «فولتير»، جملة من الأسباب، أبرزها أن المرشح المذكور ينتمي إلى جيل الشباب، حيث لا يتجاوز عمره الأربعين عاما.
.. وفي حال فوزه المتوقع في المرحلة المقبلة الحاسمة سيصبح أصغر رئيس لفرنسا منذ زعيمها التاريخي «نابليون بونابرت» أول امبراطور لها منذ ثورتها التي أطاحت بالملكـــية عام 1789، حيث نجــــح في حكــــم بــــلاده وهو في منتصف العقد الثالث من عمره.
.. وما من شك في أن الجيل الجديد من القيادات الشابة في أي بلد، أثبت امتلاكه المؤهلات، وحُسن استخدامه الأدوات، التي تضمن له النجاح، من خلال ابتكار الكثير من الحلول الجديدة، واستخدام الغزير من الأفكار الرشيدة، وتطبيق العديد من المفاهيم السديدة، التي تنسجم مع المتطلبات، وتتماشى مع مقومات العصر.
.. ولا أريد القول إننا في قطـــر سبقنا فرنسا وغيرها في هذا المجال، من خلال تجديد دماء الدولة بحماس شبابنا الرجال، لكن تجربتنا الرائدة يشهد لها القاصي والداني في جميع الأحوال، بعد تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميـــم بـــن حمـــــد آل ثــــــاني، المولود في الثالث من يونيو عام 1980، مقاليد الحكم في البلاد، في الخامس والعشرين من يونيو عام 2013، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره المديد، ليكون بذلك أصغر الحكام العرب عمرا، وأكثرهم نشاطا.
.. ومـــــــن خـــلال هذا المثال، قـــدمت قطـــر نمـــــوذجا يحتـــذى، فــــي تجربتها الناجحة مع شبابهــــا، بعد مبـــادرة صاحب السمو «الأمير الوالد» الشـــــيــخ حــــمـد بـــن خليـــفة آل ثــاني - حــــفــظـــــــه الله - بـــالتــنـــازل عن الحكم طواعية، وتسليم القيادة لجيل الشباب، بعد نحو 18 عاما من الحكم الرشيد، والإنجاز الفريد، والفكر السديد، مسجلا بذلك سابقة نادرة في التاريخ العربي المعاصر، إثر قيامه بإفساح المجال لشبابنا، لأخذ فرصتهم الكاملة في إدارة شؤون بلادهم، وإظهار طاقاتهم الكامنة، من خلال ترجمة أفكارهم لتطوير وطنهم.
.. وعلى ضوء هذه المبادرة الكريمة، جاء حضرة صاحب السمو «الأمير تميم» ليتصدر المشهد العربي، ليس كأمير شاب يتولى حكم قطر فحسب، بل ليكون قائدا ورمزا لجيل كامل من الشباب، معبرا عن صوتهم ورجاحة فكرهم وكثرة أحلامهم وكبر طموحاتهم بين القادة العرب.
.. ومــــع أســـبقية التجـــربة القطرية، أصبحت غالبية حكومات العالم تتجه حاليا للاستعانة بشبابها، ليتصدروا الوظائف الإدارية، وليشغلوا المناصب الحكومية، بعدما أثبت هذا التوجه نجاحا، بسبب النجاحات التي يحققها الشباب في مختلف المواقع القيادية.
.. ولكل هذا من الطبيعي جدا أن نتحمس لنجاح أي شاب طموح، سواء كان قطريا أو فرنسياً، عربياً أو غربياً، يقفز إلى الصدارة بكل جدارة، ويحتل الوجاهة، بكل جسارة، وهذا يفسر إعجابـــــــي الشــــديد بالحــملة الانتخـــابية التي يــقودها المرشــــح الفرنــــسي الشاب «إيمانويل ماكرون» من أجل الوصول إلى «قصر الإليزيه».
.. ولعل ما يعزز جاذبية «ماكرون» سيرته الذاتية الناجحة، التي أهلته لتصدر المشهد السياسي في الجمهورية الفرنسية، رغم أنه لم يسبق له ترشيح نفسه في أي انتخابات سابقة، لدرجة أن محترفي السياسة الفرنسيين كانوا يعتبرون صعوده مجرّد فورة إعلامية، أو «نفاخة سياسية» مليئة بالهراء، سرعان ما تنفجر، وتظهر على حقيقتها في الهواء!
لكن حملة ذلك الشاب اليافع في عالم السياسة، المولود في الحادي عشر من ديسمبر عام 1977 جذبت أوساط الشباب، أصحاب الأفكار والطموحات المستقبلية، كما أعجبت «الشياب» المصابين بخيبة أمل من أداء الطبقة السياسية التقليدية!
.. أما مــــــا يثيـــر الإعجــــاب حــقا فهو أن «ماكـــرون» كـــان مجهولا تماما في الحياة السياسية الفرنسية، خلال السنوات الخمس الماضية تقريبا، حيث كان يعمل مصرفيا، قبل دخوله الملعب السياسي عام 2012 مستشارا للرئيس «فرانسوا أولانـــد» المنتهـــية ولايته، المنخفضة شعبيته، كانخفــــاض شعبية «كريم بنزيمة» مهاجم «منتخب الديوك» في أوساط الفرنسيين!
.. وتقديرا لكفاءة «إيمانويل» في مجال تخصصه، تم اختياره ليتولى حقيبة «وزارة الاقتصاد»، التي استقال منها في أغسطس الماضي، بعدما أمضى في منصبه الوزاري سنتين وأربعة أيام بالتمام والكمال!
.. ويتمتع المرشح الرئاسي الفرنسي الذي ما زال دون الأربعين من عمره بالذكاء السياسي، الذي جعله يستغل مناخ عدم ثقة الناخبين في بلاده، بكل ما يتصل بالطبقة السياسية الحاكمة، الجاثمة بثقلها على مقاليد الجمهورية، في بلد مضطرب صار يعاني يوميا من احتمال وقوع هجوم إرهابي جديد!
.. ويسعى «ماكرون» على كل صعيد إلى تعزيز الأمن في بلاده عن طريق ترسيخ الوحدة الأوروبية، من خلال «الاتحاد الأوروبي»، والشراكة الاستراتيجية مع الدولة الألمانية، حيث يعتبر ذلك من ركائز خطابه السياسي، ومن أساسيات برنامجه الانتخابي، وهذا ما ساهم في ارتفاع سعر «اليورو» مقابل «الدولار» والعملات الأخرى، وصعود الأسهم في البورصات الأوروبية، بعد إعلان تصدره الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.
.. كما يسعى «إيمانويل» من خلال حركته المسماة (EN MARCHE) وتعني بالفرنسية «إلـــى الأمــــــام» إلى ترميم المنظومة السياسية الفرنسية، المتناثرة حاليا إلى شظايا، المتأثرة سلبيا بفضائح استغلال النفوذ، ومحاولة استعادة بعض من ثقة المواطنين، بعدما عاث السياسيون فسادا في عالم السياسة!
.. وعلى وقع خطابه السياسي الإصلاحي تشكلت في فرنسا حالة عامة في أوساط الفرنسيين يسمونها «الماكرونيا» أي الهوس بالمرشح الرئاسي «ماكرون»، الذي يتبنى رؤية إصلاحية في برنامجه الانتخابي.
.. ومن خلال تلك «الموجة الماكرونية» التي تجتاح فـــرنــــسا حالــــيا، مثــل موجات البحر المتوسط، التي تعانق شواطئ «الريفيرا الفرنسية»، اندفع «ماكرون» إلى الواجهة السياسية، وأخذ اسمه يبرز في استطلاعات الرأي العام، التي باتت تتوقع فوزه في المرحلة الثانية من الانتخابات بنسبة تتجاوز (65) في المائة.
.. ويُعد التصويت له بكثافة أمرا محمودا ومحسوما بالنسبةلمسلمي فرنسا، وأقلياتها العرقية الأخرى، ضد منافسته «ماريــــــان لوبـــان» صــــاحبة العنصرية البغيضة، ونظرتها ضد المهاجرين المريضة، المناوئة لوحدة أوروبا، التي تركب «الموجة الشعبوية»، مع كل الأمنيات والدعوات بأن تقذفها أفكارها المتطرفة إلى كتلة «ديمور» الصخرية الجبلية الشهيرة، حيث جــــبال الألب البحرية شـــديـــدة الوعورة، والمليئة بالخطورة، على الخط الساحلي الجنوبي، وحيث السقوط الحاد في أعماق البحر!
.. ولعل ما يميز «ماكرون» أنه يحاكي في خطابه العقلاني اليسار، كما اليمين، رغم وقوفه في الوسط، ولهذا تتفق معظم وسائل الإعلام الفرنسية على وصفه بأنه مرشح «زئبقي»، خاصة عندما يضيق عليه الخناق عقب أي تصريح غير موفق يطلقه في الفضاء الفرنسي، فتراه يجد سريعا منفذا للهروب من الواجهة بعيدا عن المواجهة!
.. ويكمن السر في احترامي له، واهتمامي بفوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، موقفه الصريح ضد الاستعمار الفرنسي، الذي أعلنه بكل صراحة خلال الزيارة التي قام بها إلى الجــزائــــر في شهر فبراير الماضي، عندما صرح قائلا بالحرف الواحد: «الاستعمار يشكل جزءا من التاريخ الفرنسي، إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، لقد كان بربرية حقيقية».
مضيفا أن بلاده «جلبت معهـــا خلال احتلالها الجـزائر إعلان وثيقة حقوق الإنسان، لكنها نسيت أن تقرأها!!
مطالبا فرنسا الرسمية بضرورة تقديم اعتذار لمن تضرروا من هذا الاستعمار.
.. ولأن تصريحاته التي أدان فيها انتهاكات وممارسات غير إنسانية استمرت أكثر مــــن 132 عــــامــــا من الاستعـــمار الفرنســـي للجزائر (1830 - 1962)، فتحت صندوق الذاكرة والذكريات المريرة، فقد شكلت صدمة كبيرة في أوساط السياسيين الفرنسيين، لأنها حملت في طياتها جرأة غير مسبوقة، في بلد يرتكز في حضارته على إرث استعماري، ولهذا يتحاشى أهله انتقاد الفترة الاستعمارية، التي انتهك خلالها أجدادهم حقوق الآخرين، وسحقوا حريتهم!
بل إن أحفاد المستعمرين الفرنسيين يرون أن الاستعمار ساهم في نقل الحضارة إلى الدول المستعمرة، ومن بينهم الرئيس السابق نيكولا ساركوزي!
.. ومن البديهي أن تدفع تلك التصـــريحات مدير حملة منافسته العنصرية «ماريان لوبان» إلى وصفها بأنها غير مقبولة، وأنها تنعش خلافات قديمة، لا ضرورة لإحيائها!
.. ولعـــــل ما يحـــسب له، ولا ينسحـــــب من رصيـــده، أنه رفض التراجع عن «تصريحاته الجزائرية» التي لم تحظ بالقبول على «الساحة الباريسية»، رغم أنه وجد نفسه عرضة لهجوم كبير من كثير من المسؤولين الفرنسيين، الذين عابوا عليه ما اعتبروه سوء تقدير للمكان والزمان والمصطلحات المستخدمة في تصريحاته، أما خصومه فلم يترددوا باتهامه بالإساءة إلى بلاده، داعمة الحرية في العالم!
..وبعيدا عن تلك المواقــــف الســـلبية لا جدال أن تصريحــــاته أثرت إيجابيا في كتلة انتخابية مهمة، لهـــا حضورهــــا في الساحــــة الفرنســـية، قوامها أكثر من ثلاثة ملايين فرنسي من أصــل جـزائـــري.
عدا أنها فتحت أبواب الحــــوار على مصراعيه حــول الاستعمار، الذي خلف جروحا غائزة في نفوس الجزائريين، لم تمحُها السنــــوات الغـــابرة، حيث لا تزال تسبب لهم الشقـــــــاء لأنهــــا لم تتماثل للشــــفاء حـــتى يومنا هذا، في بلد المليون شهيد، التي عندما نستحضر اسمها، نستذكر بطــــولات أميرها المجاهد عبدالقادر الجزائري، رمز المقاومة الوطنية ضد الاستعمار والاضطهاد الفرنسي، ومعه قادة ثورة التحرير الشجعان.
.. ووســــــط العجــــــرفـــة العاليــة، والنظـــرة المتعـــــالية السائدة في أوساط الطبقة السياسية الفرنسية، التي نراها مجسدة في شخصية منافسته اليمينية العنصرية المتطرفة «ماريان لوبان» يبرز أسلوب «إيمانويل ماكرون» الودود الجاذب حتى مع معارضيه.
.. ويعرف عن المرشح الوسطي لانتخابات الرئاسة الفرنسية، أنه عندما يلتقي بك يصافحك بحرارة، ويضع يده الأخرى على ذراعك، وينظر باهتمام إلى عينيك، ويستمع بإنصات إليك، ويسألك في تلك اللحظات أسئلة تعطيك انطباعا أن مستقبل فرنسا والعالم يتوقف على ما تقوله!
.. ويمكن القول إن ذلك المرشح الرئاسي المتصدر، البالغ من العمر 39 عاما، ترتسم على وجهه دائما ابتسامة «موناليزية»، كما يظهر في صورته المنشورة على يمين الصفحة ،لا تقل في غموضها عن ابتسامة «الموناليزا» الحاضرة في تلك اللوحة الشهيرة، المعلقة على أحد جدران متحف «اللوفر» في باريس، والتي بدأ في رسمها الفنان الإيطالي «ليوناردوا دافنشي» عام 1503، وانتهى من رسمها عام 1519، لتعكس الغموض النادر، المرسوم على ذلك الوجه الآسر.
لكن الأمر الأكثر غموضا في مسيرة المرشح الرئاسي «ماكرون»، هو أننا لا نعرف حتى الآن هل يشجع فريق «موناكو» متصدر الدوري الفرنسي، أم مطاردة «باريس سان جيرمان»!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي