كتاب وأراء

الأرياف تنتقم من المدن.. هل تقلب الانتخابات الفرنسية المعادلة؟

إشكالية العلاقة بين سكان المدن الكبرى وبين سكان الأرياف، والناجمة عن العولمة وما أفرزته من انفصام بين الفئتين، صارت تتحكم بطبيعة السياسات المتبعة في معظم دول العالم.

ولم يعد الأمر مقتصرا على الغرب بل شمل الشرق أيضا حيث شكلت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي جرت في تركيا صدمة لما آلت إليه العلاقة بين الأرياف والمدن من تناحر وتناقض. فلولا أصوات سكان الأناضول والمناطق الريفية في تركيا لما فاز الرئيس رجب طيب أردوغان بفارق بسيط وبنسبة لا تتجاوز الـ51.3 في المائة في الاستفتاء الهادف إلى تكريس سلطاته الرئاسية وتوسيع صلاحياته. ذلك أن مدن اسطنبول وأنقرة وأزمير التي تقدم 46 في المائة من الناتج الاقتصادي لتركيا على رغم أنها لا تضم سوى 23 في المائة من مجموع عدد سكان البلاد، صوتت بـ«لا» في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي حوّلت النظام السياسي في تركيا إلى «جمهورية رئاسية قوية».
الريف وقف إلى جانب أردوغان على عكس المدن الكبرى التي أعطاها الرئيس التركي الكثير من جهده ووقته وخططه. وكان الأمر نفسه حصل في الانتخابات الأميركية عندما حقق دونالد ترامب المفاجأة المدوية بانتخابه رئيسا للولايات المتحدة. وهذه الأمر ما كان ليحصل لو لم يلتف حول ترامب، المزارعون والعمال البيض في الأرياف والمتضررون من البطالة والعولمة التي أفقدتهم قوة عملهم بفعل فتح أسواق العمل الخارجية وانتقال الاستثمارات إلى آسيا حيث اليد العاملة الرخيصة طمعا بالمزيد من الأرباح ولو على حساب العمالة الوطنية. وفي المقابل فإن المدن الكبرى حيث الشركات المعولمة المتعددة الجنسية وأخلاط الألوان والثقافات وأنماط العيش المتجانسة مع التحولات الجديدة في العالم، حجبت أصواتها عن المرشح الظاهرة، واحتجت على وصوله إلى البيت الأبيض، بخروج سكانها إلى الشوارع في تظاهرات صاخبة ومنددة بانتخابه، تماماً مثلما فعل سكان اسطنبول وأنقرة وأزمير بعد الاستفتاء الأردوغاني. المشهد نفسه تكرر في العاصمة البولونية التي صوت معظم سكانها في انتخابات عام 2015 ضد «حزب القانون والعدالة» القومي اليميني المتطرف. وكذلك في لندن بعدما صوت البريطانيون لمصلحة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء «البريكست» الذي نال شرعيته أيضا بفعل سكان الأرياف الذين صوتوا له بـ«نعم». وحدث مثل هذا في الانتخابات الرئاسية النمسوية عام 2016. وكل ذلك كان من تداعيات العولمة التي أفرزت رابحين من سكان المدن الكبرى وخاسرين من سكان الأرياف رغم استياء بعض نخب المدن من التأثير السلبي للثقافة المعولمة على «نقائهم الثقافي».
وحتى في الدول التي تحكمها أنظمة شديدة التمسك بالسلطة، نجد أن سكان المدن الكبرى لا يرحبون ببقاء تلك الأنظمة. ومن الأمثلة على ذلك، مدينة موسكو التي حصل فيها حزب الرئيس فلاديمير بوتين على أسوأ نتائجه الانتخابية. وكان حزب رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان «الحزب القومي المحافظ»، قد فاز في انتخابات عام 2014 في كل المناطق، ولكنّه لم يحصل إلا على غالبية ضئيلة في العاصمة بوادبست.
لكن المرشحين الليبراليين المدعومين من سكان المدن الكبرى في هولندا كسروا هذه القاعدة حيث انتصروا على الشوفينيين القوميين المعادين للأجانب والمسلمين الذين يتلقون الدعم من القواعد الشعبية القوية لسكان الأقاليم والأرياف.
بيد أن المثال الهولندي يبقى محدود التأثير مقارنة بما يجري في الدول الكبرى ذات التأثير السياسي والثقافي خارج حدودها. من هنا فإن الأنظار تبقى معلقة على فرنسا في انتظار النتائج النهائية للدورة الثانية الحاسمة في الانتخابات الرئاسية والتي يتنافس فيها الليبرالي الوسطي أمانويل ماكرون المدعوم من النخبة المدنية وبين رئيسة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة مارين لوبان المدعوة بقوة من مهمشي الأرياف. هنا أيضا تتداخل إشكاليات العولمة والهجرة والأمن والحديث عن القوة والتمسك بالعادات والتقاليد والتذكير بالماضي المجيد للبلاد، في مقابل حديث المصالح والاقتصاد وتراكم رأس المال والخوف من التقوقع والانعزال والعودة إلى الماضي وما يتطلب ذلك من دعوات إلى الانفتاح وفتح الحدود والقبول بالآخر.
إشكالية لن تطوى في معركة انتخابية واحدة. لاشك في أنها ستكون سمة من سمات عصرنا الحديث.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية