كتاب وأراء

وطـــن الأحـــرار

وطـــن الأحـــرار

الشكر لله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ثم لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على ما ينعم به وطننا الحبيب.
لا توجد كلمات كافية يمكن أن تعبر عن مدى فرحتنا، ومدى امتناننا لصاحب السمو على ما بذله من جهد وعمل في سبيل إخوة أعزاء احتجزوا ظلما طيلة «16» شهرا، إلى أن جعل الله لهم مخرجا من أزمة أرقتنا وآلمتنا، وإن كنا على يقين بأن هؤلاء الإخوة الأعزاء سوف يعودون إلى الوطن الحبيب.
لم يخالجنا شك، ولم يتسلل إلينا يأس ولم ينل منا خوف، فقد أدركنا منذ المراحل الأولى لعملية الخطف أن هؤلاء الإخوة عائدون لامحالة، فهم مواطنون في دولة تعرف واجباتها تجاه مواطنيها، وهي مستعدة لبذل كل شيء من أجل عودتهم أحرارا سالمين، وهو ما كان.
لقد دأبت قطر على بذل الجهد كلما استدعت الحاجة، في قضايا إنسانية كثيرة، وفي نزاعات مريرة، ونجحت دائما في الوصول إلى نهايات سعيدة، هدفها حماية الأرواح البريئة وحل القضايا الشائكة العنيدة، فكيف والأمر يتعلق هذه المرة بمواطنين قطريين أبرياء؟.
ملف التفاوض لم يكن سهلا، والطريق لم تكن معبدة، كانت أشبه بتضاريس صحراوية تشبه تلك المنطقة التي احتجزوا فيها رغما عن إرادتهم.
كانت عملية معقدة وحساسة، والفشل لم يكن مطروحا على الإطلاق بعد أن تحولت قضية الإفراج عن إخوتنا الأحباء إلى أولوية للسياسة القطرية، حتى وصلت الأمور إلى النجاح وعودتهم سالمين.
كان اهتمام أميرنا وقيادتنا كبيرا، بل استثنائيا، وفي كل مراحل المفاوضات، كان يتم الاطمئنان على مواطنينا المحتجزين، والبحث عن إشارات واضحة حول سلامتهم وتمتعهم بالصحة.
تعقيدات هذه العملية كانت كبيرة، لكن دبلوماسيتنا البارعة، وخبراتنا العالية، ومكتسباتنا الهائلة في فن التفاوض، وعزيمة أميرنا وإصراره على إيجاد حل لهذه العملية، كل ذلك مجتمعا أدى إلى النهاية السعيدة التي احتفلنا بها جميعا.
كان ملفا مختلفا، أولا بسبب المختطفين أنفسهم فهم أبناء قطر، وقطر لم تتوان يوما عن مساعدة أبنائها أينما كانوا وحيثما وجدوا، وكان لابد من طرق كل باب وانتهاج كل وسيلة، في سبيل الوصول إلى حل لهذه القضية، والأمر لم يكن هينا، لكن إرادة أميرنا المفدى وقيادتنا كانت أكبر وأصلب من كل التحديات.
كانت اختبارا صعبا ومرهقا ومؤلما، إذ عليك أن تفاوض، وعينك على سلامة أبناء الوطن، وعدم تعرضهم إلى أي مكروه من أي نوع.
كانت خبرتنا وقدرتنا ومسؤولية قيادتنا أمام اختبار كبير، وكنا على يقين تام بأنها ستنجح في هذا التحدي الصعب، لذلك تحركت على أكثر من صعيد، وفي أكثر من اتجاه، حملت قضية هؤلاء الأبرياء إلى المحافل الإقليمية والدولية والقمم العربية، وسجلت مواقف تضامن واسعة، وحققت مكاسب هائلة في الحصول على دعم وتأييد العالم بأسره لهذه القضية، وفي الشق الآخر كانت المفاوضات مستمرة عبر كل طريق من أجل تأمين الإفراج عنهم.
التعامل الاحترافي والجودة التفاوضية، كانا السمة الأساسية في هذه القضية الشائكة، وظهر جليا أن البراعة الدبلوماسية التي تتمتع بها قطر كانت استثنائية بحق، وقد ظهر ذلك من خلال إدارة هذا الملف على مدار 16 شهراً، من دون كلل أو ملل، فالمواطن القطري كان على الدوام شغل قيادتنا الشاغل.
استقبال صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى للإخوة العائدين توج كل ذلك، وأكد أن بلدا يقوده رجل بهذه الصفات والأخلاق لا يمكن إلا أن يكون متقدما فاعلا ومؤثرا، في محيطه وفي العالم بأسره.
وإذ نقدر عاليا وقوف الأشقاء والأصدقاء معنا في هذه المحنة، فلأن قطر لم تأل جهدا في دعم هؤلاء جميعا كلما دعت الحاجة، فكان التضامن كبيرا ومؤثرا وفعالا، وهو ما منحنا المزيد من القدرات التفاوضية التي استندت إلى المواثيق والأعراف الدولية، وإلى القيم والأخلاقيات التي اختارتها البشرية طريقا للتقدم والنجاح.
في كل المراحل لم تتزحزح قطر عن مواقفها وثوابتها ومبادئها أبدا، لم يكن ذلك محل مساومة ولا محل تفاوض، وهذا مصدر فخر كبير لنا كقطريين ومصدر اعتزاز ما بعده اعتزاز.
كانت الأولوية سلامة إخوتنا، وسلامة مبادئنا ومواقفنا، وقد استطاعت قيادتنا بحكمة وحنكة صاحب السمو أن تحقق كل ذلك بعد مفاوضات سوف تُسجل في الدبلوماسية العالمية باعتبارها الأكثر تعقيدا ومشقة.
عاد أهلنا الأحباء إلى وطنهم، الذي أسفر وأنور بعودتهم الميمونة، وبقيت العبر وهي كثيرة، وأهمها على الإطلاق أن بلدا يحكمه تميم بن حمد آل ثاني، لن يُضام أهله، بل سيبقون دائما وأبدا محل رعاية واهتمام وتقدير.
هنيئا لنا جميعا أميرنا الفارس الشجاع.
هنيئا لنا حنكة قيادتنا وحكمتها وبعد نظرها.
هنيئا لنا عودة أحبتنا سالمين.
ودامت قطر حرة تسمو بروح الأوفياء.

بقلم: عبد الرحمن ماجد القحطاني
مساعد رئيس التحرير

عبدالرحمن القحطاني