كتاب وأراء

الرنتيسي

حين أطل لأول مرة على شاشات التليفزيون وجها يجمع بين الشدة والسماحة والتواضع والشخصية القوية كمتحدث باسم الـ 400 إنسان فلسطيني الذين تم القاؤهم في العراء بمرج الزهور في اقصى جنوب لبنان عام 1992 أخذنا الرجل إلى صدق أحرفه.. وتوقعنا أن يكون ذا شأن في تنظيمه حماس الذي لم يكن مضى على تأسيسه خمس سنوات.. كما توقعنا الا تتركه إسرائيل حيا يرزق فهو يحمل فكرا يقض مضاجعها فهو طبيب ومناضل وشريف ذو صلابة في الرأي وجرأة في المواجهة..
قال لي الدكتور سيد برايا.. لم أبك على أحد كما بكيت على الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الإنسان.. فاحضره إلى ذاكرتي ولمت نفسي لأنني لم اذمر بيوم استشهاده وإن كانت حماس لا تنسى رجالها.. وانا نادم لأنني لم التحق بها مع بداية تأسيسها.. لأن العمل الصحفي لا يقبل شريكا فمن يعمل فيه يرى نفسه مجاهدا بالكلمة وأحترم قادتها وصدق ما يطرحون وثبات ما يقولون فتجد ما يصرح به ممثلها في كندا متطابقا مع ما يصرح به ممثلها في بكين.. وكأن بين الأثنين خطا مفتوحا.. لأن رسالتهم وبوصلته تتجه نحو الأقصى حيث نطق الحجر في العام 1987 في القدس لا أريد سوى عمر..
عبد العزيز علي عبد المجيد الحفيظ الرنتيسي، ورنتيس بلدة على الخط الأخضر مع فلسطين 1948 في الضفة الغربية، وكانت بريطانيا تنفي رجال المقاومة من الضفة الغربية إلى غزة ومن غزة إلى الضفة الغربية، وذلك منذ العام 1921 إلى عام 1948 بعد تسليمها فلسطين لليهود، ولكن ليس لدي أي مصدريوثق أن جد عبد العزيز كان نفي من رنتيس إلى غزة..
عبد العزز الرنتيسي طبيب، وسياسي، وأحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، جمع بين الشخصية العسكرية والسياسية والدينية، تمتع بالهيبة وحظى باحترام ومحبة أغلب شرائح الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي، كما اتصف من قبل من عايشوه بصاحب شخصية قوية وعنيدة وجرأته وتحديه لقادة الكيان ولجلاديه في سجون الاحتلال. تمكّن في المعتقل في عام 1990 من إتمام حفظ كتاب الله بينما كان في زنزانة واحدة مع الشيخ المجاهد أحمد ياسين، كما له قصائد شعرية تعبّر عن إنغراس الوطن والشعب الفلسطيني في أعماق فؤاده.
آخر فيديو شاهدته له يسأله فيه صحفي اجنبي اتسير بلا حراسة الا تخشى الأباتشي والقتل.. قال الموت لا احد يخشاه وأن يأتيك بواسطة صاروخ اباتشي سيأتيك بنوبة قلبية.. وفي 17 ابريل من العام 2004 كانت مروحية إسرائيليه ترصده لتوجه اليه صاروخا وتحقق حلمه بالشهادة .
سلام إلى روحه.. والى من حملوا رسالته، سلام إلى شفافيته وهو الذي حين استلم مكافأته من جامعة غزة قام بتسديد ديونه حينها قال سوف أموت وأنا نظيف..
رحمك الله مجاهد الامة الكبير.. وستبقى روحك ترفرف في سماء فلسطين إلى يوم يبعثون..
نبضة أخيرة
دمعة زوج اسير تحرق كل المشاعر.. وما أكثر دموعهن بعد لمسة يد بيد من خلف الزجاج.

بقلم : سمير البرغوثي

سمير البرغوثي