كتاب وأراء

دستور تركيا والرأي العام العربي

تماما مثل ما وقع في العام الماضي، بمناسبة الانقلاب الفاشل، تحول الاستفتاء الدستوري بتركيا، إلى موضوع للاهتمام المكثف داخل غالبية المجتمعات العربية، وأكثر من ذلك تحول إلى بؤرة للتقاطب «الداخلي» والتقديرات السياسية المتناقضة.
متابعة الاتجاهات الكبرى للرأي العام العربي، حول هذا الموضوع، تجعلنا نقف بسهولة على تأثير الموقف الايديولوجي من القيادة التركية والموقف السياسي المسبق من طبيعة أدوارها الإقليمية، في بناء ما يشبه «موقفا» عابرا من هذا الاستحقاق الدستوري، سواء سلبا أو إيجابا.
في العمق، فإن الأمر يتعلق بالنهاية بأثر الانقسام الحاد داخل قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، حول توصيف وتكييف طبيعة تفاعل القوى الإقليمية، ذات العلاقة مع القضايا العربية، وعلى رأسها اليوم ما يقع في سوريا.
كل هذا يفسر الاهتمام العربي المتزايد، بالحالة التركية، خاصة في المستويات المجتمعية، سواء عبر هذا الاهتمام عن نفسه في صيغة للتماهي الاحتفالي بالنموذج التركي، أو في شكل تحضر فيه تركيا كعدو استراتيجي للعرب.
وبين هذين التقديرين «المتطرفين» ثمة بالتأكيد مساحة واسعة من المواقف والمشاعر التي تختلط فيها الجغرافية والسياسة بالتاريخ، لكي تجعل الحالة التركية حاضرة بقوة في المخيل السياسي للشعوب العربية اليوم.
في مثل هذا السياق، سيكون من المفيد الانتباه إلى بعض العناصر الموضوعية في التحليل، والتي لاشك أنها تكون في الغالب الضحية الأولى للنقاش العمومي المنطلق من محددات المواقف المسبقة، أو من صلب الاختيارات الإيديولوجية.
أولى هذه الملاحظات، تتعلق بالتاريخ، ذلك أن التفكير في الجمهورية التركية الثانية، انطلق بالضبط بعد تأسيس الجمهورية الأولى، تفصيل القول في ذلك يعني أن الأصوات المطالبة بالانتقال إلى نمط رئاسي للهندسة المؤسساتية، ظلت حاضرة طوال العقود الماضية لدى فئات واسعة من الطبقة السياسية التركية.
الملاحظة الثانية، تتعلق بكون هذا الجدل الدستوري التركي، مسألة طبيعية داخل الحياة السياسية، ذلك أن جزءا- مثلا- من النقاش الانتخابي الفرنسي الحالي يتمحور حول أطروحة «الجمهورية السادسة» والتي تعني الانتقال من نظام شبه رئاسي إلى نظام برلماني، كما أن جزءا من النقاش التأسيسي الذي عرفته مصر أو تونس، بعد 2011، قد ارتبط بطبيعة النظام الدستوري، ورغم أن إغراء السياق كان يدفع في اتجاه أنظمة «أكثر» برلمانية، فإن التوازنات السياسية، أنتجت في النهاية أنظمة هجينا يغلب عليها الطابع الرئاسي.
الملاحظة الثالثة، تتعلق بمسألة منهجية، ذلك أن كتابات الفقه الدستوري توضح بجلاء أن هناك توازنا في الحجج النظرية والمعيارية المقدمة في الدفاع عن أي من الخيارين: البرلماني أو الرئاسي، ذلك أنه يصح القول إن المفاضلة بين كلا النمطين في الجوهر ليست مفاضلة أخلاقية في الأساس
إذ إن كل نمط منهما، يعتبر في حد ذاته قراءة ممكنة لنظرية فصل السلطات، ولتأسيس الشرعية الديمقراطية على فكرة الإرادة العامة.
يكفي توفير ضمانات التوازن بين الرئيس والبرلمان، وبين الصلاحيات التنفيذية والقضائية، لكي لا يقل النظام الرئاسي ديمقراطية عن النظام البرلماني.
هل يوفر الدستور التركي الجديد هذه الضمانات؟
طبعا مثل هذا السؤال، لا يهتم به كثيرا الرأي العام العربي، المنشغل بالسهولة والمفتون بالمواقف الحادة والأفكار المسبقة.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق