كتاب وأراء

أصبح بعد الاستفتاء أقوى رئيس في تاريخها منذ مؤسس جمهوريتها «أتاتورك»

تركيا بين «إصلاحات» .. وصلاحيات رئيسها «أردوغان»

تركيا بين «إصلاحات» .. وصلاحيات رئيسها «أردوغان»

جاءت نتائج الاستفتاء على «الإصلاحات الدستورية» في تركيا، التي بلغت نسبتها (51.41)، واختار خلالها (25.157.025) من المشاركين كلمة «نعم»، لتعزز صلاحيات رئيس جمهوريتها «رجب طيب أردوغان»، الذي كاد يفقد السلطة في بلاده ليلة السادس عــــشر من يولــــيو الماضي، مع وقــــوع الانقلاب الفاشل ضده، لكنه تحول الآن إلى زعيم تاريخي، لا يجاريه أحد في صلاحياته الشاسعة، ولا سلطاته الواسعة !
.. ولم يسبق للجمهورية التركية أن هيمن على مفاصلها رئيس قوي بقوة رئيسها الحالي، منذ عهد مؤسس جمهوريتها العلمانية «مصطفى كمال أتاتورك»، حيث أصبح «أردوغان» أقوى رئيس تشهده تركيا منذ أيامها الأتاتوركية !
.. ويستمد الرئيس رجب طيب أردوغان قوته من إصلاحاته الاقتصادية الكثيرة، ومن قاعدته الشعبية الكبيرة، المنتشرة في ربوع بلاده، باستثناء عاصمتها «أنقرة»، ومدينة السلاطين «اسطنبول»، اللتين لا يحظى فيهما بشعبية واسعة !
.. لكن الرئيس القوي، يستمد روافده الشعبية التي تمده بالشرعية من المدن البعيدة، الرابضة فوق هضبة «الأناضول»، التي تقدر مساحتها بـ500.000 كم مربع، وتشكل 97 % من مساحة البلاد، ويسمونها باللغة الإغريقية «أناتوليا» ومعناها الشرق، أو مكان شروق الشمس، حيث الهواء الذي ينعش القلب ويروّح عن النفس.
.. وهناك في الأرياف الممتدة، توجد «آبار الأصوات الانتخابية» المؤيدة له، التي لا تقل في قيمتها الاستراتيجية عن «الآبار النفطية» في دول الخليج، وهي التي تغذيه بالدعم «اللوجســـــتي» اللازم لخــــوض عمليات الاقتراع الديمقراطي، حيث يحظى هناك بشعبية جارفة مع حزبه المسمى «العدالة والتنمية»، الذي قام بتأسيسه في أغسطس عام 2001، بمشاركة رفيق دربه السياسي «عبدالله غل» رئيس الجمهورية السابق، ووزير خارجيتها الأسبق.
.. ويمكن القول إن نتائج الاستفتاء الأخير، التي تم خلالها التصويت على حزمة أو سلة ضمت 18 تعديلا على الدستور، مهدت الطريق لأردوغان لإحداث أكبر تغيير جذري في النظـــــام السيــاسي لبـــــلاده، في تاريخــــها المعاصر، حيث سيتم بموجبه تغيير نظام الحكم الأساسي، ليتحول إلى نظام رئاسي، بدلاً من البرلماني، بحيث ترتكز السلطات وتتعزز الصلاحيات في قبضة رئيس الجمهورية.
.. وهو المنصب الذي كان شرفياً، وفقاً للدستور التركي الحالي، ولا أقول الخالي، المعتمد منذ عام 1980، بعدما تم تفصيله في عهد الجنرال «كنعان ايفرين» قائد الانقلاب العسكري آنذاك.
.. ولأنه لا شيء في «تركيا الأردوغانية» يعجب الغرب، يرى الأوروبيون أن نتائج الاستفتاء المتقاربة بين الفرقاء، تعكس حجم الانقسام الحاد في المجتمع التركي، حيث بلغت نســـبة الذين اختاروا كلمة «لا» (48.59)، ووصل عددهم إلى (23.777.091)، وكأن الانتخــــابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، لم تظهر انقساماً حاداً في المجتمع الأميركي، بين المؤيدين للرئيس ترامب، والموالين لمنافسته كلينتون !
.. وكذلك حال المجتمع الفرنسي المنقسم حالياً، بل المقسم، في مواقفه السياسية بين مرشحي الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، وعلى شاكله ذلك الانقسام السائد، تسير ألمانيا باتجاه انتخاباتها المرتقبة، التي من المؤكد أنها ستقسم مجتمعها إلى عدة أقسام، بين اليمين واليسار !
.. ولا جـــــدال في أنــــه مــن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في الآراء الشخصية، وانقسام في المواقف السياسية، قبل وبعد أي عملية تصويتية، بين المؤيدين والمعارضين، الموافقين والرافضين، ولا يخرج المشهد التركي عن ذلك السباق أو السياق العام.
.. ويرى مؤيدو «الإصلاحات الدستورية» في تركيا، أن الصلاحيات الممنوحة لصالح الرئيــــــس، والتي تم إقــــرارها، ستمنحه مزيداً من الفاعلـــية، والقـــوة والقــدرة على صناعة القرار.
.. كما أنها ستساهم في تجنيب حكومته التي سيتولى رئاستها، بعد إلغاء منصب رئيس الوزراء، إشكاليات تشكيل الائتلافات الحكومية، التي كانت تعطلها عن أداء أعمالها على أكمل وجه، وتعرقلها عن تنفيذ خططها الطموحة.
.. ومــــــن شـــأن منــــــح رئـــيس الجمهوريــة إدارة ملفـــات السلطـــة التنفـــيذيــــة، بعد إلغاء منصب رئيس الحكومة، تسهيل اتخاذ القرار، لمواجهة الكثير من التحديات، وتسريع إنجاز الملفات، وفي مقدمتها «الملف الأمني»، الذي صار يشكل تهديداً ضاغطاً أكثر من أي وقت مضى، بعد تعرض البلاد لعملية انقلابية، وإلى أكثر من عملية إرهابية.
.. وليس أقل أهمية من هذا الملف، تواجه تركيا ملفاً بالغ التعقيد، عنوانه توتر علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بعد الأزمة التي نشبت بينها وبين هولندا، بسبب منعها وزير الخارجية التركي «مولود تشاويش أوغلو» من الدعاية للاستفتاء بين الأتراك المقيمـــين هناك، بالاضافة إلى عدم استقرار العلاقات، ولا أقول استمرارها مع «حلف الناتو».
.. ويمثل انضمام تركيا إلى «الاتحاد المعني» طموحاً قديماً بالنسبة للأتراك، حيث دخلت بلادهم في المفاوضات الشائكة بل المشربكة، منذ عام 2005، لكنها لم تحرز تقدماً ايجابياً منذ ذلك الحين، لوجود العديد من الدول الأعضاء الذين يتحفظون على الانضمام التركي، لعدة أسباب تاريخية وسياسية وعقائدية وثقافية وغيرها، وفي مقدمتها النمسا، التي أعلن وزير خارجيتها «سيباستيان كورز» أن تعزيز صلاحيات «أردوغان» يجب أن تجعل الاتحاد القاري يتعامل معها بصراحة وصرامة، وينبغي أن تؤدي إلى إيقاف انضمام تركيا، لأن نتائج الاستفتاء أظهرت ابتعادها عن الطريق الذي يوصلها إلى أوروبا.
.. وبعيداً عن ذلك الحلم الأوروبي، الذي أصبح بعيد المنال، يرى مؤيدو الرئيس أن التعديلات التي تم إقرارها في الاستفتاء ستفتح الطريق على مصراعيه لإصلاح ملف الاقتصاد، حيث تواجه تركيا حالياً العديد من المشكلات الاقتصادية، من بينها تعثر نموها الاقتصادي، الذي كان «الأردوغانيون» يتباهون به، بعد نجاح زعيمهم «أردوغان» في تحويل بلادهم إلى مركز اقتصادي مهم، ودولة نشيطة في مجال الصادرات، مع بلوغ متوسط نمو الناتج المحلي الاجمالي الى 4.5 في المائة سنويا.
.. ومنذ توليه رئــــاسة الحكومة التي أمضى فيها 11 عاماً، تمكنت حكومته من السيطرة على معدلات التضخم، ولم تكن هذه المهمة يسيرة على «أردوغان»، لكنه نجح فيها، رغم أنها كانت تعتبر عسيرة، في بلد شهد في التسعينيات من القرن الماضي تضخما ضخماً زاد معدله عن 100 في المائة!
.. لكن النجاحات الاقتصادية التي حققها تراجعت شيئاً فشيئاً، خلال الأعوام الماضية، وانخفضت معدلاتها منذ عام 2014، لتصل إلى 2.9 في المائة فقط، في حين ارتفعت نسبة البطالة إلى 10 في المائة، عدا وصول سعر صرف الليرة مقابل المائة دولار إلى أكثر من 360، بعدما كانت العملة الأميركية لا يزيد صرفها عن 150 ليرة قبل سنوات !
.. ولعل أبرز المكاسب التي حققها «أردوغان» في الاستفتاء الأخير، أنها ستسمح للرئيس بالبقاء في منصبه حتى عام 2029، في حال فوزه المرتقب في الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر نوفمبر 2019، ليتولى الرئاسة على فترتين كل واحدة منها لمدة 5 سنوات، في عملية تبدو في مظهرها، ولا أقول جوهرها، مشابهة للنظام الرئاسي الأميركي أو الفرنسي.
.. ويرى المنتقدون أن الصلاحيات الواسعة التي تم إقرارها للرئيس لا يمكن اعتبارها «إصلاحات»، لأنها تفتقر إلى وجود ضــــــوابــــط رقابـــية مشابهة لتلك المعتمدة في الأنظمة الرئاسية الغربية.
.. ونظراً للفارق الضئيل جداً بين المؤيدين والمعارضين، الذي أظهرته نتائج الاستفتاء، يتخوف المعارضون أن يستغل «أردوغان» السلطات، التي تمت الموافقة الشعبية عليها لصالحه، لترسيخ حكم الفرد الواحد، وتعزيز سلطاته المطلقة أكثر من أي وقت مضى، مما يجعله لا يقل في سطوته عن سلاطين الامبراطورية العثمانية !
.. ويعتقدون أن النظام الرئاسي في دول الغرب يتم خلاله مراقبة أداء الرئيس وتقييمه وتقويمه عبر المؤسسات الرقابية الفعالة، المتمثلة في البرلمان والصحافة الحرة، بعكس تركيا التي تقبـــع حالياً فـــي المرتبـــــة 151 من 180 دولة مدرجة على سلم الدول المنتهكة للحريات، وفقاً لتقارير المنظمات الحقوقية، استناداً إلى فصل أكثر من 140 ألف مواطن من أعمالهم منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة !
.. ويرى المنتقدون أيضاً أن رئيـــس جمهــــوريتهــم لا يتحمل النقد، ولا يتقبل سماع الرأي الآخر، ولهذا يسعى بشراسة مفرطة لإسكات أي صوت يعارض سياساته !
.. وأستطيع القول إن المشهد في تركيا ليس بالسوء الذي يحاول المعارضون تصويره، ولا بالسواد الذي يسعى المنتقدون لتلوينه، كما أنه ليس بالبياض الناصع الذي يحاول المؤيدون اظهاره !
.. وكنت قبل أيام في تركيا، قبل انطلاق استفتائها التاريخي على التعديلات الدستورية، وكان كثيرون في شوارعها يحملون صور رئيسهم «أردوغان»، تتصدرها كلمة «ايفيت» وتعني «نعم» للاستفتاء، الذي جاءت نتائجه وفقاً لما سعى إليه رئيس الجمهورية.
.. ويعكــــس الاتصـــال الهاتـــفي الـــــذي أجـــــراه حـــضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني فور الإعلان عن نتائج الاستفتاء مع الرئيس رجب طيب أردوغان خصوصية العلاقات القطرية- التركية.
.. وتشهد العلاقات بين الدوحة وأنقرة التي انطلقت رسمياً عام 1979 بافتتاح سفارتي البلدين في العاصمتين تكاملاً وتنسيقاً على كافة المستويات في «عهد أردوغان»، انطلاقا من الرؤى المشتركة للدولتين الشقيقتين، في مجمل القضايا الاقليمية والدولية.
.. وتلتقي مواقف البلدين في العديد من الملفات الخارجية والقضايا الاقليمية، خصوصا الأزمة السورية، وما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني الشقيق، وانتهاك حقوقه المشروعة المنتشرة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والتي تدعمها القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، بالاضافة إلى حرص الدوحة وأنقرة على تخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة المحاصر.
.. ولا تقتصر العلاقات القطرية- التركية على المواقف السياسية المتطابقة، بل يقترب الأمــــر من الشـــراكة الاســـتراتيجية، التي ظـــــهرت في أبـــهى وأقــــــوى صورها خــــلال موقف الدوحة الداعم للرئيس «أردوغان»، وحكومته المنتخبة ديمقراطياً، في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة، التي شهدتها بلاده في منتصف يوليو الماضي.
.. وكانت قـطـــر أول دولة على وجه الكرة الأرضية بادرت إلى إدانة الانقلاب الفاشل في لحظاته الأولى، في الوقت الذي كان فيه العسكر ينشرون دباباتهم في الشوارع، ويسعون لإحكام سيطرتهم على البلاد، مؤكدة تضامنها الكامل مع تركيا وشعبها الشقيق، ورئيسها المنتخب في كافة الاجراءات التي تتخذها حكومته الشرعية، لحماية مسيرتها الديمقراطية.
.. وتتويجاً للخصوصية التي تميز العلاقات القطرية- التركية تم تدشين شارع باسم «قـطـــر» في حي «ساريير»، الذي يعتبر واحداً من أرقى وأفخم أحياء الشطر الأوروبي في مدينة «اسطنبول»، مما يعكس الروابط المتينة بين البلدين، التي يربطها رمزياً برباط وثيق ذلك الطريق، الممتد بطول 3 كيلو مترات ونصف.
.. ويحمل ذلك الشـــــارع العديد من الــــدلالات، والغزير من العــلامات، والكثير الاشـــــارات، باعتبــــــاره طريقـــاً حيـــويــــاً يســـاهم في تـقــــريب المســــافـــــات، ويمثــل نقطة وصل، وتواصل، واتصال بين جهتين، ولا أقول اتجاهين، ويساعد مرتاديه على الوصول بسهولة وسلاسة وسلامة إلى أهدافهم المنشودة.
.. ويشكل «شــــارع قــطــر» في «مدينة السلاطين» خطاً مستقيماً بلا التواء، أو أنواء، أو أعباء، ومن خلاله يمكن الإطلالة بلا عناء أو معاناة على «بورصة اسطنبول»، وجامعتها التقنية، وحديقة «أمير جان كورسو»، التي تحتوي على أكثر من 120 نوعاً من الأشجار والنباتات النادرة والزهور الجميلة، أشهرها «التوليب» الموجودة هناك بمختلف ألوانها، وصولاً إلى ضفاف مضيق «البوسفور» حيث تلتقي هناك بين ضفتيه القارتان الآسيوية والأوروبية، وحيث يتواصل هناك شعوب القارات والحضارات والثقافات المتنوعة.
.. وبعيداً عن ذلك «الــشارع القـطــــري»، وعلى الضفة الأخرى من المدينة، يشعر سكان حي «قاسم باشا»، الذي قضى فيه «أردوغان» طفولته البائسة الفقيرة، أن رئيسهم يعبر عن صوتهم، ويعكس صورتهم.
.. وهناك يمكن للزائر أن يعرف السر الأكبر في فوز «أردوغان» بالاستفتاء على التعديلات الدستورية، حيث توجد له قاعدة شعبية ذات كثافة بشرية !
.. هناك في ذلك الحي الشعبي ليس غريباً أن تجد أحدهم يقول لك، وهو يتناول فطيرة من «السميط» المشبع بالسمسم، الذي يعتبر «وجبة الفقراء» في تركيا، بينما يلوح بيده الأخرى حاملاً علم بلاده الأحمر الذي يتوسطه هلال أكبر:
«إذا أمرني أردوغان بالموت، سأفعل أي شيء من أجله»!

بقلم:أحمد علي

أحمد علي