كتاب وأراء

موازيننا بين الحقوق والواجبات

لم تستقر الحياة ولم تستقم إلا في ميزان ذي كفتين متساو.. متوازن ولم يصبها الخلل ولا يعتريها الاضطراب إلا بحياد إحدى كفتي هذا الميزان، وميزان الحياة يعد من أقدم الموازين وحياتنا تدور بين كفتيه،
وقد وضعه واهب الحياة هو- سبحانه- أعلم بها وأخبَر وكذلك ميزان الحياة الذي أَرْستْه الشرائع السماوية وأقرته القوانين الأرضية ومتعارف عليه عند البشر مِن بدو وحضَر وعرب وعجم، وكل ما بالحياة قائم على ثنائية الحق والواجب، ولو بحثنا عن جميع ما في جنبات الحياة المترامية ما وجدت إلا غياب أحد أطراف هذا الميزان، أو أحد منهما لذلك ما رسب طالبٌ إلا لأنّه طلب النجاح ولم يعطه حقّه من العرق والسهر، وعندما يخسر تاجرٌ فذلك لأنه انتظر ربحا لم يدفع ثمنه من الصِّدق والأمانة، وما أخطأ الناس بحقك إلا بسبب تجاوزك لحدود الأدب بطريقة مباشرةً أو غير مباشرة.
في طرقات الحياة ودروبها، نلتقي بأناس يضجون بالشكاوى وترتفع أصواتهم بالصراخ مُعدِدين معظم حقوقهم التي هُضِمَت وامتيازاتهم التي صُودِرت، بينما يُطأطئون الرؤوس ويَصمتون وتزوغ أبصارهم يميناً ويساراً عند مطالبتهم بواجباتهم التي قصَّروا في أدائها والتزاماتهم التي أخلّوا بها وأهملوها ولم يؤدوها كما تستحق ومع ذلك مازالوا مستمرين بالشكوى..
وقفة!
حقيقة هل هؤلاء يستحقون ما يشكون منه أم واجبهم أن يؤدوا ما هو مطلوب منهم؟؟
نعلم أن جذور الحقّ والواجب واحدة، فحقِي هو واجب على غيري وواجبك هو حقّ لغيرك. وقد أكَّد الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي على تلازُم الحقّ والواجب كشرط من شروط النهضة التي قعّد لها في أطروحاته الفكرية، كما حرص علماء القانون والاجتماع على تأكيد ذلك حين أردفوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في منتصف القرن العشرين بما يكمِّله ويتمِّمه من الإعلان العالمي لواجبات الإنسان وذلك في نهاية القرن ذاته.
من العدل أن ندرك ونعلم بأنّ بذل الواجبات هو أفصح محام وأعدل قاض وأمضى سلاح لنيل الحقوق على مستوى الدوائر الخمس التي يدور في فلكها الفرد على مدار الساعة (الدين، الذات،الأسرة، الأمّة، الإنسانيّة).
لننهض ونتطور ونعلو لابد لنا أن نستفيق من كبواتنا ونصحو ونؤدي واجباتنا تجاه وطننا.. ولنعلم أن ما نهضتْ الأمم من كبواتها ولا برأتْ الشعوب من نكباتها إلا بعد أن علا صوت الواجب، حتى عَدّت دولةٌ كاليابان مَن يتخلّف عن الوفاء بواجبه الاجتماعي خائنا يستحق أقصى العقوبة.
وقد يتحسّر واقعنا الحالي المعاش فيجأر قائلا: ها نحن نُعطِي ولا نأخُذ ونبذل الواجب ولا نظفر بالحقّ ونَمنَح ونؤدي ما هو مطلوب منا، ولكننا لا نظفر بحقوقنا وواجباتنا كاملة. نعود ونقول للبعض: هل فعلا تؤدون كل الحقوق والواجبات...!!! وللآخرين نعم تؤدون وحقوقكم فعلاً مهضومة؟
نعم كل حق يقابله بالكفة الأخرى واجب وليس في ذلك مُجانبة للحقيقة ولاغيابا للميزان، ولكنّها الحياة التي صارتْ غابة، وللغابة ميزان يُغاير ميزان الحياة، فإذا جاز أن تكون العُملة ذات وجه واحد، فما جاز للحياة أن تكون بلا ميزان ولا جاز للحقّ أن ينفصم عن الواجب.
بقلم: إيمان آل اسحاق

إيمان عـبد العـزيز آل إسحاق