كتاب وأراء

المدينة تعاقب مرتين .. تحرير الموصل أم إبادتها؟

الموصل تعاقب مرتين.. عوقبت مرة عندما غلبها التوحش «الداعشي» وأخرجها من التاريخ لمدة ثلاث سنوات، ومارس على أهلها الإرهاب والقصاص والعذاب، وجعل من أيامها ليالي رعب خيالية، وأوقف فيها دورة الحياة، وأفقد المجتمع الموصلي كل حرياته وفرض على رجالها ونسائها قيودا حديدية لا تطاق وجرد الفتيان والفتيات من أبسط الحقوق بمنعه الدراسة والتكوين والتعليم.
وها هي هذه المدينة العريقة صاحبة التاريخ الحضاري الرائع والمتنوع والطبيعة الجذابة والساحرة تصلب وتعاقب مرة ثانية باسم تحريرها من قبضة التنظيم الإرهابي.
هل ما يجري في الموصل هو عملية تحريرها من تنظيم «الدولة الإسلامية» أم من تحريرها من أهلها وهويتها وسكانها وتاريخها؟
باسم الحرب على الإرهاب تدمر المدينة التي صمدت على مر التاريخ في وجه أعتى الغزاة والمحتلين فوق رؤوس ساكنيها. القنابل الذكية والغبية لم تترك شيئا واقفا أو يتحرك في شوارع الساحل الغربي إلا وسوته بالأرض بشرا كان أم حجرا. وبدلاً من أن يتجنب المهاجمون إنزال الخسائر بالأبرياء، اعتمدوا سياسة الأرض المحروقة فحرقوا الأخضر واليابس، والأبرياء قبل المذنبين. مئات من المدنيين العزل جلهم من النساء والأطفال قضوا نحبهم في ضربة جوية واحدة. وهذه المجزرة ليست عينة من ارتكابات مماثلة تتكرر في المدينة الجريحة منذ بدء العمليات العسكرية فيها بذريعة إنقاذها من جلادها الإرهابي. الجريمة واضحة ومؤكدة أما الفاعل فمجهول حتى إشعار آخر. واشنطن تتهم بغداد بالمسؤولية عن الخطأ. والثانية تتهم الأولى بارتكابه. والمضحك المبكي أن الطرفين يعدان بلجنة تحقيق في الحادث. علما أن أكثر من ثلاثة آلاف لجنة للتحقيق في حوادث مماثلة كونت منذ بدء المأساة العراقية ولم تتوصل أي منهم إلى فاعل أو مرتكب أو حتى متهم، بينما النزف مستمر في هذا البلد.
الإعلام الغربي الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها عندما تتعرض لندن أو باريس أو تل أبيب لرشق رصاص، بينما هو نفسه يخفي رأسه في التراب عندما تتفجر ينابيع الدم في الموصل أو حلب أو دمشق.
وإذا وجد مبرر لقتل المدنيين بدم بارد في حرب الموصل التي نعرف ساحاتها وأدوات تنفيذها من دون أن نعرف أهدافها المبيتة ونيات محركيها الرئيسيين، فإن الأمر المروع وغير المبرر، هو أوضاع الهاربين من جحيم هذه الحرب الذين صاروا غرباء داخل وطنهم، وصار العالقون في الداخل والنازحون إلى الخارج مثل حال الموتى في المدينة، شهداء لكن أحياء بلا حياة.
خلف عنوان طرد «داعش» من الموصل تختلط مشاريع التمدد الإقليمي بطموحات الهيمنة الدولية، ويختلط الرياء والزيف الحكومي بالتعصب الفئوي والمذهبي والحزبي.. أما الضحية فهي الموصل وأهلها. والخشية أن يخرج بعد انتهاء الحرب من سيقول إن العملية نجحت.. لكن يا للأسف المريض مات.
الموصل لن تموت مهما كان مصابها أليما، وحربها ستنتهي عاجلا أو آجلا، لكنها ستكون فاصلا لمرحلة مقبلة يكون العراقيون فيها أمام خيارين لا ثالث لهما، أخذ العبرة من دروس هذه المحنة وتلافي الأسباب التي أوصلت اليها بنبذ أحقاد الماضي وإنتاج نخبة سياسية جديدة تنقذ البلد من الانهيار الشامل الذي وصل إليه جراء سياسات التطرف المذهبي وتفشي الفساد، أو الإصرار على العناد والعقلية الحاكمة نفسها التي ستجر العراق إلى مزيد من التدهور والانقسام والأزمات والحروب خدمة لمشاريع الآخرين، الذين كانوا الولادة الحقيقية لـ«داعش» وأخواتها وغيرها من «الحشود» المذهبية التي تحولت صواعق للفتن المتنقلة في أرجائنا.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية