كتاب وأراء

استقالة ريما خلف الارتقاء إلى مرتبة الشرف

إذا كانت الحياة وقفة عز، فقد فعلتها ريما خلف حين تقدمت باستقالتها من منصبها الكبير في الأمم المتحدة. لم تفاجئنا ريما بخطوتها الجريئة التي أدخلتها تاريخ الضمائر. لكن المفاجأة الأكبر جاءت من الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي تخلى عن سجله الإنساني الحافل عندما كان مفوضا للوكالة الدولية لشؤون اللاجئين، تحت وطأة كلمة أمر واحدة من الثنائي الأميركي الإسرائيلي.
«جريمة» هذه السيدة العربية المحترمة أن «الأسكوا» التي تتولى إدارتها، وضعت تقريراً بالأرقام والحقائق والوقائع عن وضع الفلسطينيين في أرضهم، ووصفت النظام الإسرائيلي بأنه نظام عنصري مثله مثل النظام الذي سقط في جنوب إفريقيا نهاية القرن الماضي، بل ويدعو إلى مقاطعته ووقف الاستثمارات فيه، وإحالته إلى المحاكم الدولية، وفرض العقوبات عليه. ويقرّ بأنّ «حجم الأدلة يدعم، بما لا يدع للشك مجالًا، أنّ إسرائيل مذنبةٌ بجريمة فرض نظام أبارتايد على الشعب الفلسطيني، ما يصل إلى حدّ ارتكاب جريمة ضد الإنسانية»، و«أنّ المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة ووكالاتها، والدول الأعضاء، ملزمة جميعها إلزامًا قانونيًا، وفق قدراتها، للحيلولة دون نشوء حالات الأبارتايد، ومعاقبة المسؤولين عن هذه الحالات».
كان هذا وحده كافيا كي تجن إسرائيل جنونها لأنها اعتادت منذ زمن طويل أن تسمع في المنظمة الدولية أنها الضحية والدولة الديمقراطية بينما الفلسطيني هو الإرهابي والجلاد. هذه ليست المرة الأولى التي ترمى فيها ريما بالسهام، فقد دأب المندوبان الأميركي والإسرائيلي، على تقديم شكاوى ضدها إلى الأمين العام السابق بان كي مون، والمطالبة بعزلها من موقعها، بتهمة أنها معادية للسامية! ولأنّها تجرأت وقالت أكثر من مرة إنّ جوهر مشكلات المنطقة يعود إلى الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني.
بان كي مون التف على الإقالة، وطوى هذا الملف مؤقتًا. لكن الظروف تغيرت مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فهو ربط المساعدات المالية الأميركية للأمم المتحدة بالمواقف السياسية لهذه الهيئة. وكانت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة واضحة أشد الوضوح حينما أعلنت: «سوف تكتشفون تغيرات مهمة في طريقة تعاملنا. سوف نظهر القوة ونرفع الصوت وندعم حلفاءنا، ثم نتأكد من أنكم تدعمونهم أنتم أيضاً. الذين لا يؤيدوننا، سوف ندوّن أسماءهم ونعاملهم كما ينبغي. إنه بداية فجر جديد للتعامل بين أميركا والأمم المتحدة».
غوتيريس فضل موقعه الجديد على سجله الناصع منذ كان شابا ناشطا ضد الديكتاتورية ونصيرا للمظلومين ليس فقط في بلاده البرتغال وحيث وجد الظلم، فانصاع لـ«الفجر» الأميركي الجديد. وكانت ريما خلف أولى ضحايا هذا «الفجر»، فرفضت التراجع وفضلت التخلي عن وجاهة المنصب وقالت، في كتاب استقالتها، إنّها ترى «أنّ واجبها يقضي عليها ألّا تكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة»، وأنّ قرارها لم يأتِ لكونها مسؤولة دولية، وإنّما جاء بصفتها «إنسانًا سويًا، أؤمن بالقيم الإنسانية السامية التي أُسست عليها منظمة الأمم المتحدة، وأؤمن أنّ التمييز ضدّ أي إنسانٍ على أساس الدين أو اللون أو العرق غير مقبول، ولا يمكن أن يقبل بفعل سلطان القوة، وأنّ قول الحق في وجه جائرٍ ليس حقًا فحسب، وإنّما واجب».
ريما خلف لم تقل في تقريرِها سوى الحقيقةِ الغابئةِ عن الأمم والمغيبة عن بعض العرب.. وهي أنّ إسرائيل أسست لنظام فصلٍ عنصري ضدَّ الشعب الفلَسطيني، وهي باستقالتها استحقت وسام الشرف العربي مِن رُتبة مناضلة عربية. أما غوتيريس فليته اكتفى بمنصبه السابق بدلا من أن يبدأ وظيفته ببصمة عار لا تتناسب مع منصبه الأممي الرفيع بل تجعله مجرد موظف وضيع في نيويورك.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية