كتاب وأراء

الأدب الجديد

لعل دار النشر الوحيدة التي حظيت بإقبال شديد في معرض الكتاب الأخير هي تلك التي تخصصت ببيع الكتب الشبابية كما يطلقون عليها، وهي كتب كُتبت من أجل فئة عمرية معينة بهدف التوعية والمتعة، لم يقل الزحام حول تلك الدار التي ظهرت على الساحة منذ سنوات قليلة صباحا ومساء، ولم تتوقف حركة البيع والشراء أيضا طوال المدة المخصصة للمعرض، بعكس دور النشر الأخرى التي لوُحظ أنها بالكاد تبيع بضعة كتب في اليوم الواحد، وهذا ما دفع صاحب دار نشر عريقة ومعروفة للتعليق بحنق: أنهم يخربون ذائقة القراءة لدى النشء.. تصفحي الكتب التي يطبعونها بالمئات لأسماء ليست لديهم أي موهبة على الإطلاق، أسماء ظهرت من العدم.. لم يسبق لأصحابها الكتابة.لا في الصحف المحلية ولا حتى في الصحف المدرسية.. ليست لهم تجربة.. وفجأة.. فجأة..أصبحوا كُتاب روايات.. روايات فجة سوقية وباللغة الدارجة، ولا ترقى حتى إلى اللغة اليومية التي يتحدث بها عامة الناس، هؤلاء التجار يدعون أنهم ينشرون الثقافة ويحببون الجيل الجديد في القراءة، وهم ليسوا أقل ضررا على العقول من تجار الوجبات السريعة على الأجساد.. كلتهما تسبب السمنة والبلادة ولا علاقة للأولى بالفكر كما لا علاقة للثانية بالصحة. وبين كل هذا الفوضى قد تظهر موهبة حقيقية.. لؤلؤة أصلية لكنها تضيع بين اللآلئ المزيفة. أنهم وبكل صفاقة يغتالون اللغة العربية والأدب بكل قلة أدب، وهذا ما أكده الشاعر العراقي «مظفر النواب» بعبارات أقل حدة. وتناول الدكتور الراحل «طه حسين» هذه الظاهرة في إحدى مقالاته فقال «إن هؤلاء قد خيلوا لأنفسهم وللناس أن الأدب الجديد الذي يطلبونه يجب أن يكون شعبيا، وأن شعبية هذا الأدب تقتضي إهمال صورته، وتركها تبرز للناس كما تستطيع.. رثة..غثيثة..لا حظ لها من أناقة ورشاقة، ولا نصيب لها من رونق أو جمال، والشيء الذي لا يفطن إليه دعاة هذا النوع من الأدب، هو أن الأدب لا ينبغي له أن يكون طعاما ولا شرابا كالطعام الذي يأكله الناس والماء الذي يشربونه، وإنما ينبغي أن يكون طُرفة يطرف بها القارئ.. ذلك أنك لا تُحسن إلى الشعب حين تقدم له طعاما خشنا غليظا ليضيفه إلى طعامه الخشن الغليظ. ولا تحسن إلى الشعب حين تقدم له ماءً كدرا ليضيفه إلى ما يشربه من ماء كدر. وإنما تحسن إليه حين تقدم إليه غذاء شهيا رقيقا، يتخفف به ويستريح إليه من غذائه اليومي الخشن، أو حين تقدم إليه شرابا عذبا مصفى يغسل به عن نفسه كدر الماء الذي يشربه كل يوم، فالأدب إذاً طرفة يفزع إليها الناس من حياتهم اليومية الثقيلة».. والطرفة في اللغة لها أكثر من معنى، لكن ما يعنيه عميد الأدب هو التجديد والابتكار واستحداث مفردات جديدة وبسيطة ومفهومة.. فمن الأدب الارتقاء بالأدب.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري