كتاب وأراء

أصل الحياة واستمرارها

غـداً تـتزين الطبيعة. إنه «النيروز» أو عـيد الربيع، وهو حسـب تـقسـيمات الفصول أول أيام الربيع، وقد تعلم العـرب الاحتـفال به من الفرس حتى فاقوهم، وذكره الشـعراء في قصائدهـم وأطنبوا:
أتاك الربيع الطلـْق يختال ضاحكاً من الحُسـن حـتى كاد أن يـتكلـمـا
وقد نبّه النيروز في غـلـس الدجى أوائــل ورد كـنَّ بـالأمـس نـُـوّمـا
يا لروعة البحتري الذي يحوك سلاسل الذهب.
لكننا لا نحتـفل بهـذا اليوم لأنه أول الربيع، ولا سـيما في هذه المنطقـة حيث لا تـتتابع الفصول كما درسناها، بل لأنه عيد الأم أو «يوم الأم» إذا شـئتم، وبالمناسبة إن العيد كل يوم فيه تجمع واحتفال، وقد جاءنا هـذا الاحتفال من الولايات المتحدة، وليس عيباً أن نتعـلم الأشياء الحسنة حتى من أعـدائـنا، ولا أظن أن أحـداً يرى في الاحتـفـال بالأم أمـراً سيئاً.
ما من شريعة سماوية أو وضعية كرّمت الأم كما فعل الإسلام ونبيه صلى الـلـه عليه وسـلم، وشاءت إرادة المولى عز وجل ألا يسلم من أولاده صلى الـلـه عليه وسلم إلا الإناث، هل من غـضاضة أن يكنى رسـول الـلـه بابنته فنـقول «أبو الزهـراء» وهـو اسـم فاطمة سـيدة نسـاء العالمين رضي الـلـه عنها وأرضاها؟ ولنتذكر الآية الكريمة «لا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما» يا للروعة! حتى كلمة ضيق واحدة تعد جريمة إذا قـلتها للأم أو الأب، حتى أن تـرفع صوتك في وجه أحدهما جريمة. ويحدثنا الـلـه سـبحانه وتعالى عن غـباء أهل الجاهلية، إذ قال تعالى في سـورة النحل «وإذا بُـشـِّر أحدهـم بالأنثى ظل وجهـه مسـودّاً وهـو كظيم»، والمؤسـف أن بعـض الناس ما زالوا يظهرون هذا بعد قرون. وينسى هؤلاء وأولئك أن هذه الأنثى ستصير زوجة وأماً، كما صارت أنثى قبلها أمّه وزوجته.
إنهـا مصادفـة رائعـة أن نحتـفل في الثامن من هـذا الشـهر بيـوم المـرأة، ثم نخصّ الأم بيـوم مســتقل، وأن يصادف هذا اليوم أول الربيع، وكما تـتفتح الطبيعة في هـذا اليوم في عـطاء لا ينتهي بإذن ربها، يظهر العطاء في هذه المرأة التي تجسد القيم النبيلة في الكون كلها. وأحسن الأولون حين وحّـدوا بين الأم والأرض، نـقول دائماً: أمّـنا الأرض؟ وكم هي اللغة العربية عظيمة حين اشتـقت الأم والأمة من جـذر واحد! وها نحن نطـلق كلمة الأم على كل شيء عـظيم: اللغة الأم، أم الكتـب (الفاتحة) أم القـرى (مكـّة) أمهات المـؤمنين، أم المعارك. وقديماً لم يكن عاراً أن ينتسـب المـرء إلى أمّـه، ألا تذكرون الملك عمرو بن هـند الذي قـتله الشاعر الفارس عمرو بن كلثوم لأن أم الملك تعمدت إهانة أم ابن كلثوم؟
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين