كتاب وأراء

مخاطر تحليل المخاطر ومحاذير ترد على الخاطر

برغم كل ما يؤخذ من احتياطات ضد المخاطر إلا أنها تقع. وبرغم ما يُقدم عنها من تحليلات إلا أنها تزداد. ولذلك أسباب مختلفة في مقدمتها طبيعة المخاطر ذاتها. فهي تهديدات متجددة لا تنتهي. كلما جرى احتواء أحدها بشكل إلا وعادت لتعبر عن نفسها بأشكال أخرى. فالمخاطر تهديدات يمكن أن يتعرض لها فرد أو تصادفها شركة أو تواجهها قرية أو تجابهها دولة أو تجتاح حتى العالم بأسره.
وقد تكون بيئية أو مالية أو صحية أو سياسية أو تكنولوجية أو أية صورة أخرى من التحديات الجسيمة والمشكلات المعقدة. وقد تكون طبيعية ربما يستطيع الإنسان أن يتنبأ بها لكنه لا يستطيع أن يمنع وقوعها مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير. أو قد تتراكم عمداً على يد البشر مثل مخاطر الإرهاب والحروب وتهريب المخدرات.
وبسبب كثرة المخاطر راج تحليل المخاطر وتأسست من أجله مكاتب استشارية ومراكز بحثية وبيوت خبرة محلية وعالمية تقع مراكزها في بلدان غربية ولها فروع في مناطق مختلفة حول العالم من بينها على سبيل المثال لا الحصر وحدة الاستخبارات بمجلة الإيكونوميست البريطانية، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وتشاتام هاوس، وتقرير ستراتفور، والمجموعة الدولية للمخاطر، ومؤسسة راند، ومجموعة تحليل أكسفورد، ومجموعة الاستشاريون الدوليون للمخاطر، والمجموعة الأورو آسيوية، ومجموعة المراقبة الدولية للأعمال BMI.
وبرغم أهمية تحليل المخاطر إلا أن ثمة مخاطر تكمن في تحليلات المخاطر وفي الدور الذي تلعبه بعض مراكز البحوث والمجموعات الاستشارية المعنية بها. أحد الأكاديميين العرب ذائعي الصيت قدم قبل سنوات تحليلاً للمخاطر بدلاً من أن يصد خطراً عن الفريق السياسي الذي كلفه بتحليل جلبه ورفع خطورته إلى حرب عصفت ببلد بأكمله. وهو نفسه الذي راهن في تحليل آخر للمخاطر على أن الثورة السورية أمامها على الأكثر ثلاث سنوات لإسقاط نظام الأسد. وقد يكون الفرد معذوراً. فإمكاناته وإلمامه بمتطلبات تحليل المخاطر ربما تكون محدودة. لكن ماذا عن مراكز ومؤسسات يعمل بها مئات الباحثين ومع هذا تخطئ إما بتضخيم مخاطر محدودة أو بالتهوين من مخاطر جلية لتقدم في النهاية توصيات مكلفة كثيراً ما قادت إلى سياسات مرتبكة شهدنا لها أمثلة في الشرق الأوسط في مجالات من قبيل مكافحة الإرهاب والتشدد الديني وتطوير بنى التعليم والصحة.
ومع كثرة المخاطر من الوارد أن يتحول تحليل المخاطر نفسه إلى نوع جديد من المخاطر عندما يمارس التضليل عمداً أو بحسن نية. وما يلي مجرد إشارات لبعض مخاطر تحليل المخاطر:-
1) أن تأخذ حكومة أو قيادة تحليلات المخاطر على أنها كلام نهائي وقراءة حرفية للمستقبل. وهو ما يحدث أحياناً بالذات لو كان من يقدم التحليل بارعاً في البلاغة ومغرياً في طريقة عرض التقارير. فتحليل المخاطر ليس إزاحة عن غيب وإنما ترجيح بين عدة احتمالات.
2) أن تختلط الانحيازات الأيديولوجية والسياسية بالقواعد العلمية الصارمة المفترض اتباعها عند إعداد تحليل بالمخاطر. فإذا ما تأثر الدور الحيادي للعلم بالأجندة الملغمة للسياسة فلابد وأن تقع مشكلات. فلم يكن وارداً في دولة مثل كوريا الشمالية مثلاً أن يخرج تحليل مخاطر يختلف عن ما يريده الفرد الحاكم. ولو كان محلل واحد في كوريا الشمالية تجرأ وحذر من خطورة اغتيال الأخ غير الشقيق للرئيس الكوري الشمالي في كوالالمبور لكان قد لقي نفس حتفه.
3) ألا يتقن من يعد تحليلات المخاطر تشخيصها ليجري ذلك بطريقة غير دقيقة إما تهول فيها أو تهون منها. فتحليلات المخاطر يلزمها أن تُعرّف الخطر بدقة وهل هو من الأصل خطر أم لا حتى لا تفتعل مخاطر لا وجود لها ومواجهات لا جدوى من ورائها. ويلزمها بعد تعريفه أن تُقيّم حجمه وتحدد أبعاده وتقيس حدته وترصد احتمالات تطوره. وكل هذا يجري حسب قواعد علمية كمية وكيفية وليس بالكلام المرسل.
4) أن يخطئ تحليل المخاطر في تحديد طريقة التعامل معها إما بتزكية بديل لا يتناسب مع الإمكانات المتاحة أو لا يكفي لدرء الخطر. من ذلك مثلاً تلك التحليلات التي تُزكي مكافحة الإرهاب أمنياً بكل ما يترتب على ذلك من تخصيص موازنات ضخمة على تطوير القدرات العسكرية دون أن يكون لمكافحته فكرياً نصيب يذكر لا من الموارد ولا حتى من الاحترام.
وبرغم هذه المحاذير ستبقى تحليلات المخاطر هامة لكنها ستظل في نفس الوقت خطيرة إذا ما كان وراءها مصلحة تدفعها لتغطي على خطر بدلاً من أن تكشفه أو تصطنع خطراً لا أساس لها. وكلا الأمرين يحدث ليس بالضرورة لنقص خبرة من يعد تحليل المخاطر وإنما على النقيض بسبب زيادتها.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات