كتاب وأراء

اختيار النقيب وواجب الوقت

كنت في القاهرة، قبل أسبوعين من التصويت لاختيار نقيب الصحفيين المصريين، ونصف أعضاء مجلس النقابة، والمعروف بالتجديد النصفي، ما ممكنني من المتابعة عن قرب، لبواكير المعركة الانتخابية. اللافت ان كل المناقشات التي تابعتها أو شاركت فيها، كانت تتمحور حول السؤال الجدلي والأزلي ايضا.. هل النقابة، نقابة الصحفيين، معنية بتقديم الخدمات لأعضائها، أم مؤسسة ذات رأي وإسهام في الشأن العام للدولة. السؤال جدلي لأنه لا اتفاق على إجابة له، وأزلي لأنني أسمعه منذ بدأت العمل بالصحافة قبل نحو خمسة وعشرين عاما.
اهمية هذاالسؤال العتيد تكمن في ان إجابته تكاد تكون المحدد الاهم بالنسبة للسواد الأعظم من الصحفيين، عند اختيار النقيب على وجه التحديد، منذ جيل النقباء التاريخيين، من أمثال الاساتذة احمد بهاء الدين، وكامل زهيري. فبعد هؤلاء العمالقة، كان الاختيار رهنا بما سيقدمه النقيب من مزايا مالية للأعضاء، وتحديدا في ما يتعلق ببدل التدريب والتكنولوجيا، الذي أصبح وبكل أسف، مصدرا مهما، وأحيانا وحيدا لدخل عدد كبير من أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين. ولأن هذه المزايا تدفعها وزارة المالية، فالحكومة تتعامل معها باعتبارها منّة وهبة للصحفيين. والحكومة لا تمنن بغير حساب، ولا تهب بلا ثمن، وبالتالي فالثمن هو اختيار النقيب الذي ترضى عنه الحكومة، أو بالأصح من تعتبره مرشحها.
من الظلم لوم من اختار المزايا المالية المحتملة أو الموعود بها، من الزملاء، في ظل ظروف اقتصادية لم تنج من ضغوطها الخانقة كل فئات المجتمع تقريبا، كما أن واجب الوقت الآن، ان يلتف الجميع حول من اختارتهم الجمعية العمومية، فتلك قواعد اللعبة الديمقراطية، التي يجب احترامها، لا اعتياد كسر قواعدها واستمراء الانقضاض على مخرجاتها.
ما يجب فعله الآن، هو تذكير من أوكلت اليهم الجمعية العمومية قيادة العمل النقابي الصحفي، بذلك التاريخ النضالي الطويل والمبهر، لنقابة الصحفيين، التي كانت على مرالأزمنة، قلعة الحريات، ومنطلق الدفاع عن حقوق الشعب، لا اعضائها فقط، كما حدث في مظاهرات الطلبة عام 1968، في ظل تولي الاستاذ احمد بهاء الدين منصب النقيب. واجب الوقت ايضا، ان يؤكد الزملاء المنتخبون، ان نقابة الصحفيين تحديدا، ليست فقط تلك الهيئة القانونية، التي تشكل لرعاية مصالح أعضائها الاقتصادية والاجتماعية، وانما هي بالتوازي مع ذلك، وأحيانا قبله، مؤسسة رأي، ترعى عاملين بمهنة قوامها الرأي وعمادها الحرية، ولا قيمة للمزايا المالية، إن تم الوفاء بها، اذا تواصل خنق الحريات.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى