كتاب وأراء

الوضع السوري بين جد بوتين ولعب ترامب

الحرب في سوريا والتقارير عن الانتهاكات لاتزال مستعرة، رغم هدنة أستانا والصفقات الإقليمية حولها. والدور الوحيد الذي لعبه ترامب في هذا الصراع البائس والمرير هو شيطنة اللاجئين السوريين بلا هوادة، وقد لا تمر مناسبة أو فرصة إلا ويغتنمها لشن حرب مريرة على هؤلاء المساكين ووصفهم بأنهم شر البلية في العالم. وهو وصف يلقى صداه في دمشق التي حذر رئيس نظامها في حوار مع «ياهو نيوز» من أن قسماً كبيراً من الفارين إلى خارج سوريا هم «في الحقيقة إرهابيون».
وهكذا يؤطر النظام السوري الحرب في بلاده بأنها معركة تخوضها حكومته ضد «هؤلاء الإرهابيين» الذين تدعمهم قوى أجنبية ليتقاطع بذلك مع مواقف ترامب الذي صرح تكراراً ومراراً بأنه ليس مهتماً بتغيير النظام في سوريا، وإنما يرغب ببساطة في التعامل مع التهديد الذي يمثله تنظيم «داعش».
وباستثناء دعوته إلى إغلاق الأبواب في وجه اللاجئين والهاربين من الموت المجاني والعوز والبؤس، فإن الحل الأساسي في جعبة الرئيس الأميركي الجديد للمأساة الإنسانية في سوريا، هو إنشاء مناطق آمنة في شمال الدولة، وهذا أمر ليس بجديد؛ إذ اقترحه من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهيلاري كلينتون. بيد أن أحداً لم يشرح كيف يمكن تحقيق ذلك الهدف وبأي وسائل.
يقول ترامب، إنه يريد «مناطق آمنة» في سوريا، وهدفه هو الإبقاء على النازحين، الذين قد ينضمون إلى اللاجئين السوريين الذين يناهز عددهم 5 ملايين حالياً، داخل حدود بلدهم، ولكن ما الذي قد يستطيع تحقيقه؟ لعل الأمر الذي ينبغي لمسؤول كبير أن يدركه هو أن إقامة منطقة آمنة يقتضي توفير حماية قوية لها تتولاها قوات برية وجوية. وهذا هو ما يميزها عن «منطقة قاتلة».
والأمر الثاني هو دحر «داعش»، ليس فقط في شمال سوريا، بل في كل الشرق السوري، ولاسيما الرقة ودير الزور ومحيطهما وإتاحة المجال لإقامة حكم محلي في مرحلة ما بعد القتال يتولى إدارة شؤون هذه المناطق وقادر على تأمين استقرارها في ظل حماية برية وجوية دولية للمناطق المحررة.
وهنا تبرز العقدة الأساس ذلك أن تحويل وسط سوريا وشرقها من «دولة خلافة» إلى منطقة آمنة لا يعني فقط الخلاص من «داعش» بل يعني أيضاً منع قوات النظام من دخولها، لأن السماح بمثل هذه العودة سيؤدي بكل بساطة إلى تعبيد الطريق لعودة التنظيم المتطرف، الأمر الذي سيفضي في النهاية إلى تدافع المدنيين السوريين مجدداً نحو تركيا والعراق طلباً للجوء. وحتى هذه اللحظة لم تتوافر لا القوى المحلية القادرة في آن على محاربة «داعش» و«القاعدة» وجيش النظام والميليشيات معاً، ولا القوتان البرية والجوية القادرتان على توفير ملاذ آمن. ومثل هذا التدخل إذا حصل بلا توافق دولي وإقليمي سيكون في حد ذاته استفزازاً، ومن المرجح أن يجد معارضة من النظام السوري وحليفته روسيا، في مجلس الأمن. وحتى إذا أقيمت.. فإن المناطق الآمنة المنشودة قد لا تصبح آمنة إذا لم تحظ برضى موسكو!
الآن تغتنم روسيا الغياب الأميركي لتدير مع تركيا وإيران عملية سلام سورية ببطء. ويبرز التعاون الوثيق بين أنقرة وموسكو، بعد أن كانتا طرفين متناقضين في الصراع، تحييد الولايات المتحدة بشكل كبير في إنهاء الأزمة السورية. وفي المقابل يدور غزل هادئ بين بوتين وترامب (لم تعكره استقالة مستشار الأمن القومي الأميركي فلين)، تغذيه تصريحات أدلى بها ترامب عشية الانتخابات الرئاسية في بلاده، وتعليقات ودية متحفظة من الجانب الروسي، لكن هذا الغزل لم يتطور إلى علاقة حب، ولم يتراجع إلى حالة عداء، في انتظار انخراط الطرفين معاً في البحث عن حلول عملية للمشاكل التي تواجههما.
وفي الوقت الضائع يغتنم الروسي التلهي الأميركي باقتراحات غير ملموسة لتثبيت نفوذ جدي، ليس في سوريا فقط، بل في الإقليم أيضاً، بينما يواصل المدنيون السوريون دفع أثمان ألعاب الآخرين على أرضهم.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية