كتاب وأراء

فلسطين.. ماذا بعد؟ (1)

دونالد ترامب ليس رجلاً عقائديا، بل هو شعبوي عنصري يمكن أن ينتقل من اليسار إلى اليمين وبالعكس، في ليلة واحدة. هذه الاحتمالية تقلق بنيامين نتانياهو حتى النخاع، ولكن لأن الرئيس «45» ليس على الاطلاق رجلاً يمكن التنبؤ بمواقفه، مما يجعل إمكانية انقلابه على إسرائيل وارداً في ظل اطلاعه التدريجي على تاريخ القضية الفلسطينية، والحقوق التي لا لبس فيها حول أحقية شعب فلسطين بأرضه من النهر إلى البحر.
كنت في السابق من مؤيدي الدولتين، لكن هذا الحل انطفأ الآن، ربما إلى الأبد، مما أراح ضميري المثقل بخيانة العهد من خلال القبول في بعض مراحل عمري بدولة تقوم على 22 % من فلسطين، هي مجموع مساحة الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
لذلك أجدني اليوم مؤيداً لنتانياهو وبينت وشاكيد وليبرلمان في تبنيهم معادلة: إما كل شيء أو لا شيء. ولذلك أيضاً فليكن الصراع مفتوحاً حتى نهاية التاريخ بين الحق والباطل.
وأشعر في دفائن قلبي المثقل بسبعين سنة من الأساطير التي تساقطت واحدة تلو الأخرى على وقع انكشاف الحقائق الواضحة حتى لمواطني أوغندا وجزر السيشل وكذلك للأمازيغ وسكان الأمازون والأماكن الفقيرة والنائية، بأنه بات مستحيلاً على أي فلسطيني يسكن الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي «1948»، وكذلك على بقية الناس ذوي الأصول الفلسطينية في كافة أنحاء العالم، أن يقبلوا خيار الدولتين مرة أخرى، خاصة مع افتضاح الأضاليل الصهيونية حول أحقية الأرض.
خيار الدولتين الذي بقي يشكل استراتيجية الولايات المتحدة وأوروبا والعالم كله، قتله الإسرائيليون، كما أيدت الإدارة الحالية قَتْلَهُ مثلما ورد في المؤتمر الصحفي المشترك بين ترامب ونتانياهو أول أمس.
لقد أرَحْتنا يا ترامب وأزحت عن كواهلنا شبهة الخيانة من خلال قبول ربع فلسطين كما هو مدون في فكرة الدولتين، رغم ما يقتضيه ذلك التبدل من اعادة نظر في كل شيء حولنا تقريباً.
أقول ذلك بمناسبة اللقاء الذي تم عشية اجتماع ترامب برئيس وزراء إسرائيل، بين محمود عباس ومدير الـ «سي.آي.أيه» الذي جاء إليه، كما أتوقع، محذراً بقسوة، من أن عليه أن يتعاون وإلا فإن الأميركيين سيفضحون ما عندهم ويقطعون المعونة عن السلطة.
الابتزاز طبع أميركي معروف منذ زمن طويل، ولعل المخابرات الأميركية أعادت التلويح لعباس الذي تجاوز الثمانين بأن دحلان موجود وسيجلس مكانه وينفذ ما يراه ترامب ونتانياهو، لذلك فإن فرنسا التي تقول إنها ملتزمة الآن بحل الدولتين أكثر من أي وقت مضى، وأمين عام الأمم المتحدة الذي حذر من التخلي عن فكرة هذا الحل، مخطئان تماماً بعد اعتماد الرئيس الأميركي ورئيس وزراء إسرائيل استراتيجية تدريجية لتحويل الفلسطينيين إلى تجمعات بشرية مزدهرة اقتصادياً (رشوة) وضمهم في النهاية للمملكة الأردنية الهاشمية.
المشروع مرفوض أردنياً وفلسطينياً ودولياً، وما تراه أميركا وإسرائيل ممكناً الآن لن يكون كذلك بعد سنة أو سنتين. وكل الذي تشهده المنطقة من صراعات لن يخبئ الحقيقة في ظل ازدياد القناعة بأن الصهيونية هي العقل المدبر لكل شيء شرير في المنطقة. ولكن ماذا عن المقاومة؟

بقلم : مازن حماد

مازن حماد